فأجاب رحمه الله تبارك وتعالى بقوله:
إذا وقع قتال بين طائفتين من الحربيين لم يحرم الحضور، لأن كلا من الطائفتين مهدر، فالقتل فيهما واقع في محله، فليس ثم معصية أقر عليها المتفرج بحضوره.
نعم إن خشي على عود ضرر عليه - (في الأصل غير مستقيمة وهذا الذي أرجحه مناسبة للسياق والسباق) - من الحضور حرم عليه.
ولعل منع المشايخ المذكورين الحضوركان لأجل ذلك.
وللمسلمين أن يقاتلوا كلا من الطائفتين وإن يقاتلوا إحداهما لا بقصد نصرة الطائفة الأخرى، بل بقصد اعلاء كلمة الاسلام، والحاق النكاية في أعداء الله تعالى، ومن فعل ذلك بهذا القصد حصل له أجر المجاهد لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر البخاري وغيره: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله- ولا شك أن من قاتل إحدى الطائفتين بقصد ذلك كان كذلك، حتى إذا قتل في الحرب، أو انقضت وحركته حركة مذبوح أو ليس به حياة مستقرة عومل معاملة الشهيد في الدنيا والآخرة، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
نعم يشترط أن يعلم مريد القتال أنه يبلغ نوع نكاية فيهم، أما لو علم أنه بمجرد أن يبرز للقتال، بادروه بالقتل من غير أدنى نكاية فيهم فلا يجوز له قتالهم حينئذ، لأنه يقتل نفسه من غير فائدة البتة، فيكون عليه اثم قاتل نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم) إهـ الفتاوى الكبرى الفقهية (4/ 222) .
ويقول الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله: (تحرم إعانة الكفار على عدوٍ منهم إلا خوفًا من شرهم، أما إن كان عدو الكفار من المسلمين فيجب أن يجتمع المسلمون على قتال الكفار جميعا ً) إهـ كشاف القناع (3/ 57) .
وقال الشافعي في الأم (4/ 159) : (لو أُسِرَ جماعة من المسلمين فاستعان بهم المشركون على مشركين مثلهم ليقاتلوهم فقد قيل: يقاتلونهم، وقيل قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن مشركين.
ومن قال هذا القول قال: وما يحرم من القتال معهم ودماء الذين يقاتلونهم وأموالهم مباحة بالشرك؟!!
ولو قال قائل: قتالهم حرام لمعانٍ منها:
-أن واجبًا على من ظهر من المسلمين على المشركين فغنم في الخمس لأهل الخمس، وهم متفرقون في البلدان وهذا لا يجد السبيل إلى أن يكون الخمس مما غنم لأهل الخمس ليؤديه إلى الإمام فيفرقه.
-وواجبٌ عليهم أن يقاتلوا أهل الكتاب فأعطوا الجزية: أن يحقنوا دماءهم، وهذا أن أعطوا الجزية لم يقدر على أن يمنعهم حتى يحقنوا دماءهم، كان مذهبًا.
وإن لم يستكرهوهم على قتال كان أحب إلي ألا يقاتلوا، ولا نعلم خبر الزبير يثبت (يقول الفقير: وذلك لوجود محمد بن اسحق فيه، والله أعلم) ولو ثبت: فإن النجاشي كان مسلمًا آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
انتهى كلام الامام المطلبي رحمه الله وأجزل له المثوبة.
جاء في المدونة لسحنون المالكي رحمه الله: (قال مالك في الأسارى يكونون في بلاد المشركين يستعين بهم الملك على أن يقاتلوا عدوًا له ويجاء بهم إلى بلاد المسلمين، قال: لا أرى أن يقاتلوا على هذا ولا يحل لهم أن يسفكوا دماءهم على مثل ذلك؛وإنما يقاتَلَ الناس ليدخلوا في الإسلام من الشرك، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوهم من الكفر إلى الكفر ويسفكوا في ذلك دماءهم في ذلك فهذا مما لا ينبغي ولا ينبغي لمسلم أن يسفك دمًا على هذا) إهـ (1/ 391) .
وجاء في مسائل الإمام أحمد لأبي داود:(قال الإمام أحمد: لو قال ملك الكفار للأسرى المسلمين: اخرجوا فقاتلوا أعطيكم كذا وكذا، فلا يحل أن يقاتلوا معه.
وأن قال: أخلي عنكم، فلا بأس بذلك رجاء أن ينجوا.
وسئل: إن قال لهم ملك الكفار: أعطيكم وأحسن إليكم، هل يقاتلون معه؟
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، لا أدري)إهـ (ص 248 - 249) .
وقال الإمام الشيباني رحمه الله بعد أن ساق حديث الزبير رضي الله عنه، حين كان عند النجاشي، فنزل به عدوه، فأبلى يومئذ مع النجاشي، فنزل به عدوه، فأبلى يومئذ مع النجاشي بلاءً حسنًا فكان للزبير عند النجاشي بها منزلة حسنة)
ويقول الشيباني مستطردًا: (فبظاهر هذا الحديث يستدل من يجوز قتال المسلمين مع المشركين تحت رايتهم) إهـ
ولكن الشيباني رأى عدم جواز ذلك فقال في أخر الباب: (لا ينبغي للمسلمين أن يقاتلوا أهل الشرك مع أهل الشرك) إهـ شرح السير الكبير (4/ 15) .
وقال الشيباني رحمه الله: (ولو قال أهل الحرب لأسراء فيهم: قاتلوا معنا عدونا من المشركين، وهم لا يخافونهم على أنفسهم إن لم يفعلوا .. فليس ينبغي أن يقاتلوهم معهم)
ثم قال: (فإذا كانوا يخافون أؤلئك الآخرين على أنفسهم: فلا بأس بأن يقاتلوهم، لأنهم يدفعون الآن شر القتل عن أنفسهم) إهـ شرح السير الكبير (4/ 15) .
وأقوال الفقهاء في هذه المسألة كثيرة جدًا أكتفي بما سبق .. ويجب التنبه إلى أنه ليس المقصود بيان ترجيح أحد القولين، وإنما رد تكفير من قال بأحد القولين. والله أعلم.
(يُتْبَعُ)