بغير ما أنزل الله من شعب الكفر، والمعاصي كلها من شعب الكفر كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان ن،و يقول ابن تيمية:"الإيمان: مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه، و مقتصد، و سابق، كالحج وكالبدن والمسجد وغيرها من الأعيان والصفات، فمن أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل، ومنه ما نقص عن الكمال،وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات، ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول) [4] . وإذا تقرر أن الإيمان شعب متعددة، وأنه قابل للتبعيض والتجزئة، فإنه يمكن اجتماع إيمان وكفر غير ناقل عن الملة، في الشخص الواحد كما في قوله تعالى: ? وَمَايُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ? [5] حيث إن الله أثبت لهم إيمانا مع شرك، فدل ذلك على اجتماعهما في المؤمن. وقوله تعالى: ?وَإِنطَائِفَتَانِ مِنَالْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوابَيْنَهُمَا فَإِنبَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواالَّتِيتَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ? [6] فأثبت الله تعالى لهم وصف الإيمان، مع أنهم متقاتلون، وقتال المسلم كفر، كما قال عليه الصلاة والسلام: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) [7] . وعلى ما أصلنا من أن الإيمان عند السلف قول وعمل فالإيمان لابد أن يكون بهذه الأمور الأربعة: قول اللسان وهو النطق باللسان، وقول القلب،وهو الإقرار والتصديق،وعمل القلب وهو النية والإخلاص،وعمل الجوارح. فالعمل جزء من أجزاء الإيمان الأربعة [8] ، أو ركن في الإيمان،ومادام العمل ركن في الإيمان فهو داخل في مسماه،والقول بدخول العمل في مسمى الإيمان حقيقة لازمه أن يكون جزءًا من الماهية وركنًا فيها، وقد التزم السلف ذلك،والقول بأن العمل شرط في الإيمان لازمه أن يكون العمل خارجًا عن الماهية، لذا لا يقال أن العمل شرط كمال فليس العمل شرطًا من شروط صحة الإيمان أو شرط كمال في الإيمان أو إنه خارج عن الإيمان أو هو ثمرة الإيمان أو من مقتضى الإيمان أو هو دليل على الإيمان كما أن وجودا لنتيجة دليل على وجودالسبب إذ كل هذه من أقوال المرجئة فكيف يكون العمل من الإيمان ثم يكون العمل شرطًا، ومعلوم أن الشرط يكون خارج المشروط، فهذا تناقض؛ لأن الإيمان قول وعمل واعتقاد، والعمل هو من الإيمان،وهو الإيمان، ولا عمل بدون إيمان،ولا إيمان بدون عمل، فهما متلازمان، والأعمال هي من الإيمان بل هي الإيمان: الأعمال إيمان، والأقوال إيمان، والاعتقاد إيمان، ومجموعها كلها هو الإيمان بالله عز وجل، والإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره، والسلف مع قولهم بركنية العمل في مسمّى الإيمان لا يجعلون ذلك متعلقًا بآحاده وأفراده كما هو الشأن عند الخوارج والمعتزلة وإنما حصروا ذلك بجنسه وأما آحاده وأفراده فقد فصَّلوا القول فيها؛ فمنها ما هو شرط في صحة الإيمان،ومنها ما هو شرط في كماله،والفيصل في ذلك نصوص الكتاب والسُّنة وفهم السلف الصالح، والمرجئة يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، وهم أربعة أقسام:"
القسم الأول:
الذين يقولون الإيمان وهو مجرد المعرفة، ولو لم يحصل تصديق .. وهذا قول الجهمية، وهذا شر الأقوال وأقبحها، وهذا كفر بالله عز وجل؛لأن المشركين الأولين وفرعون وهامان وقارون وإبليس كلٌ منهم يعرفون الله عز وجل، ويعرفون الإيمان بقلوبهم، لكن لما لم ينطقوه بألسنتهم، ولم يعملوا بجوارحهم لم تنفعهم هذه المعرفة.
القسم الثاني:
الذين قالوا إن الإيمان هو تصديق القلب فقط، و هذا قول الأشاعرة، و هذا أيضًا قول باطل؛ لأن الكفار يصدقون بقلوبهم، ويعرفون أن القرآن حق وأن الرسول حق، واليهود والنصارى يعرفون ذلك، و هؤلاء لم ينطقوا بألسنتهم،ولم يعملوا بجوارحهم مع إنهم يصدقون بقلوبهم فلا يكونون مؤمنين.
الفرقة الثالثة:
التي تقابل الأشاعرة وهم الكرَّامية، الذين يقولون: إن الإيمان نطق باللسان، و لو لم يعتقد بقلبه، ولا شك أن هذا قول باطل؛لأن المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله بألسنتهم، ولكنهم لا يعتقدون ذلك،ولا يصدقون به بقلوبهم.
الفرقة الرابعة:
أخف الفرق في الإرجاء،الذين يقولون إن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان،ولا يدخل فيه العمل وهذا قول مرجئة الفقهاء وهو قول باطل أيضا. وجمهور أهل السنة يقولون: العمل من الإيمان،وهو جزء منه فالأعمال واجبة،وهي من الإيمان، ومرجئة الفقهاء يقولون: الأعمال واجبة وليست من الإيمان، ولهذا قال من قال بأن الخلاف بينهم وبين جمهور أهل السنة خلاف لفظي، وقال بهذا شارح الطحاوية و الصواب أنه ليس لفظيًا بل خلافًا معنويًا.
[1] - انظر التمهيد 9/ 248، وانظر مجموع فتاوى ابن تيمية 7/ 308، 12/ 472 وانظر تفسير ابن كثير 1/ 39، وفتح الباري 1/ 47، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي 4/ 832، وشرح السنة للبغوي 1/ 38.
[2] - الفتح: 11
[3] - متفق عليه رواه البخارى ارقم44 ورواه مسلم رقم325
[4] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 7/ 637
[5] - يوسف: 106
[6] - الحجرات: 9
[7] - متفق عليه البخارى رقم 48 ومسلم رقم 116
[8] - انظر أسئلة وأجوبة في الإيمان والكفر للشيخ صالح الفوزان وللشيخ عبد العزيزالراجحى وحقيقة الإيمان عند الشيخ الألبانى للشيخ محمد أبو رحيم
(يُتْبَعُ)