فهرس الكتاب

الصفحة 9376 من 20085

قلت: المقصود أن زنا العينين النظر وزنا اليد اللمس وأمثال ذلك. وليس التعطر زنا بالمعنى الذي يوجب الرجم أو الجلد بلا ريب. ومن ينادي المتعطرة بالزانية (على المعنى المتبادر عند العوام) ، فهو قاذِفٌ يجب جلده حدّ الفِرية (وهي ثمانين جلدة) . قال المناوي في فيض القدير (5>27) : «والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فقد هيجت شهوة الرجال بعطرها وحملتهم على النظر إليها، فكل من ينظر إليها فقد زنى بعينه. ويحصل لها إثمٌ لأنها حملته على النظر إليها وشوشت قلبه. فإذن هي سببُ زناه بالعين. فهي أيضًا زانية» .

ومقصود ابن خزيمة والمناوي هو ما دل عليه الحديث الذي أخرجه البخاري (#5889) ومسلم (#2657) عن ابن عباس قال: ما رأيتُ شيئًا أشبه بِاللَّمَمِ (أي صغائر الذنوب) مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب على بن آدم حظّه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة. فزنى العينين النظر. وزنى اللسان النطق. والنفس تَمنّى وتَشتهي. والفَرج يُصدِّق ذلك أو يكذبه» . قال الخطابي: «المراد بِاللَّمَمِ، ما ذكره الله في قوله تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللَّمَمَ} وهو المعفوُّ عنه. وقال في الآية الأخرى: {إن تجتنبوا كبائر ما تُنهَونَ عنه نُكفّر عنكم سيئاتكم} . فيؤخذ من الآيتين أن اللمَم من الصغائر وأنه يُكَفّر باجتناب الكبائر» .

واختلف العلماء في معنى الحديث. فقال بعضهم أن للام في الحديث هي"لام التعليل". أي إن كانت نيتها أن تفتن الرجال بريحها فهي آثمة، وإلا فلا. ولذلك رآى ابن رشد الجد عدم حرمة خروج المرأة متعطرة، إلا إذا كانت نيّتها التعرّض للرجال. وقال البعض: بل هي"لام العاقبة"، كاللام في قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًا وحزنًا} [القصص: 8] . فالتقاط فرعون موسى صلى الله عليه وسلم كان عاقبة له. واحتجوا كذلك بما رواه الدارمي في سننه (2>362) : أخبرنا أبو عاصم عن ثابت بن عمار عن غنيم بن قيس عن أبي موسى: «أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فيوجد ريحها فهي زانية وكل عين زان» . فلم يأت هنا الحديث مع اللام. وأجيب على هذا بأن هذا الحديث موقوف غير مرفوع، لا حجة فيه. فلو صح إسناده لكان عِلّةً قادحة للحديث المرفوع!

واحتج من أجاز للمرأة بأن تتطيب بما أخرج أبو داود في سننه (2>166) : حدثنا الحسين بن الجنيد الدامغاني (ثقة) حدثنا أبو أسامة (حماد بن أسامة، ثقة ثبت) قال أخبرني عمر بن سويد الثقفي (جيد) قال حدثتني عائشة بنت طلحة (ثقة حُجة) أن عائشة أم المؤمنين صلى الله عليه وسلمحدثتها قالت: «كنا نخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فنضمد جباهنا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عند الإحرام. فإذا عرقت إحدانا، سال على وجهها. فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهاها» . ولذلك قال القفّال في"حلية العلماء" (3>235) ما نصه: «منصوص الشافعي رحمه الله في عامة كتبه أن: حكم المرأة في استحباب التطيّب للإحرام كحكم الرجل» .

وزعم بعض المتشدّدين بأن هذا محمولٌ على أن ذلك الطيب ليس له رائحة!! وهو قولٌ مخالفٌ للغة العرب. في المعجم"المحيط": «السُّكُّ: ضَرْبٌ من الطّيب يركَّبُ من مسكٍ ورامكٍ» . في"القاموس المحيط": «طِيبٌ يُتَّخَذُ من الرامَكِ مَدْقَوقًا مَنْخولًا مَعْجونًا بالماءِ. وُيعْرَكُ شديدًا، ويُمْسَحُ بدُهْنِ الخَيْرِيّ لئلاَّ يَلْصَقَ بالإِناءِ. ويُتْرَكُ ليلةً، ثم يُسْحَقُ المِسْكُ، ويُلْقَمُه، ويُعْرَكُ شديدًا، ويُقَرَّصُ. ويُتْرَكُ يَومينِ، ثم يُثْقَبُ بمسَلَّةٍ، ويُنْظَمُ في خَيْطِ قِنَّبٍ، ويُتْرَكُ سَنةً. وكلما عَتُقَ، طابتْ رائحتُهُ» . وقال السيوطي في الجامع الصغير (1>227) : «سُكّة: طيب يتخذ من الرامِك. شيء أسود يخلط بمسك ويفرك ويقرص ويترك يومين، ثم ينظم في خيط. وكلما عتق عبق. كذا في القاموس» . فهذا صريحٌ جدًا بأن السُّكّ المطيَّب له رائحة مسكيّة عابقة!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت