فإذا جئت لتتفقه في هذه الأحاديث، فلا شك أنك ستسير بالطريقة نفسها، وهي البحث والترجيح في كل مسألة مسألة من المسائل الفقهية!
ولكن دراسة الفقه والترجيح لا يمكن أن يتم بغير دراسة علوم اللغة، فلا بد لك ابتداء من أن تدرس علوم اللغة، كيف؟ أيضا بالآلية نفسها، ببحث كل مسألة مسألة من مسائل النحو والصرف واللغة والبيان والبديع والمعاني والاشتقاق و و ... ومعرفة القول الراجح فيها!! وطبعا الراجح المقصود به ما يترجح عندك أنت! بترجيحك أنت! وببحثك أنت! مجتنبا تقليد أحد!
وهب أنك قضيت شطرَ عمرك في هذا الترجيح المزعوم، ثم بعد عشرين سنة مثلا ظهر لك أن إحدى القواعد التي بنيتَ عليها جهدك كله باطلة لا تصح!! فحينئذ أُراك ستقول: (فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا)
هذه والله مشكلة المشكلات، ومعضلة المعضلات!
وا أسفاه على شباب ضائع لم يعرف بعدُ كيف يشرع في طلب العلم! أسفًا أجد له من الحر ما يحرق القلب!
والخلل المنهجي كالسوس ينخر في أصل العلم؛ فلا أنت استفدت بوقتك، ولا أنت حصلت ما تريد من العلم!
العلم مراحل وطبقات ومراتب، لا تصلح مرحلة إلا بعد تحصيل سابقتها، وليس كل الطعام يصلح لكل الناس، وليس كل الدواء يصلح لكل الناس، وكذلك ليس كل العلم يصلح لكل الناس!
والعلم في صدور الخلق يتفاوت قوة وضفعا كما يتفاوت الإيمان، فقد تُحصِّل أنت مسألة ويحصِّل غيرك نفس المسألة، ولكن شتان شتان اليقينُ الذي حصل ثلجه بصدره من الخطلِ والخلط الذي حصل بصدرك!
والعلم أصول وفروع، وإنما العالم من عرف الأصول؛ لأن الفروع لا يحاط بها، وليس المقصود بالأصول أصول الفقه أو أصول الحديث أو نحوها، إنما المقصود لباب العلوم الذي هو ملجأ الراسخين في العلم، وهو الركن الوثيق الذي يرجعون إليه عند تهاوي الشبهات والريب من أهل الزيغ والجهالة.
والعلم منه يقين ومنه ظن، وبينهما درجات ومراتب، ولا يكون العالم عالما حتى يعرف حقا درجات ما هو به عالم، فلا يخلط بين مظنون ومتيقن، ولا بين محتمل ومؤكد!
والعلم كلٌّ لا ينفصل، فكل مسألة من مسائله خادمة للأُخَر، وليس بعالم من حصَّل علوما متناقضة يضرِب بعضُها بعضًا ولا ينتبه لهذا التناقض! وإنما العالم من ازداد كل يوم علما، فإما زاده فيما عنده رسوخا، وإما بَيَّنَ له بطلانَ بعض ما كان يعرفه سابقا، فإما نُكِتَت في قلبه نكتةٌ بيضاء، وإما مُحيت منه نكتة سوداء، حتى يصير قلبه أبيضَ مثل الصفا لا تضرُّه شبهةٌ ولا تقدح فيه جهالة، وهذا شأن العلماء الربانيين الذين تحققت بالعلم نفوسهم، وأشربته قلوبهم!
نسأل الله أن يهيئ لنا من هؤلاء ما تقر به عيوننا، وننتفع به، فهم البدور في ظلمات الجهل، والغرباء بين غوغاء الضلال!
ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [08 - Nov-2008, صباحًا 12:21] ـ
أخي أبا البشير
المشكلة يا أخي مشكلة منهجية، وهي مشكلة عظيمة جدا فلا تستهن بها!
وإذا كنت تقول: (الترجيح لا بد منه إما باجتهاد وإما بتقليد) ، فما الفرق بين الحديث والفقه عندك؟ ولماذا تركت الاجتهاد في الحديث وانشغلت بالفقه؟!
أليس الأسهل أن تقلد في الفقه أيضا فتريح نفسك من هذا العناء؟!
وكأني بك بعد عدة سنوات ترجع إلى نفسك وتقول: إن الترجيح في الفقه أيضا طويل الذيل، فلماذا أتعب نفسي؟ فلأقلد في الفقه أيضا حتى أتقن أصول الفقه، أو أصول اللغة، أو غير ذلك!
يا أخي الكريم، العلم مراحل ودرجات كما قلت لك سابقا
هل حفظ القرآن يعتمد على ترجيح مسائل معينة سابقة؟!
هل حفظ أحاديث الصحيحين يتوقف على ترجيح؟!
هل حفظ المتون الأساسية في العلوم المختلفة يتوقف على ترجيح؟!
هل حفظ المعلقات السبع يتوقف على ترجيح؟!
هل دراسة فتح الباري وشرح النووي يتوقف على ترجيح؟
هل قراءة تفسير الطبري والقرطبي يتوقف على ترجيح؟!
هل قراءة الكتب المشهورة التي صارت مرجعا لأكثر الناس يتوقف على ترجيح؟!
الترجيح يا أخي الكريم له أهله، ولا يتأتى إلا بعد عشرات السنين من الجد والاجتهاد والبحث والفحص والطلب والتحري والنظر والتفكر
بعشرٍ يُنال العلم قوت وصحة وحفظ وفهم ثاقب في التعلم
وحرص ودرس واغتراب وهمة وطول زمان واجتهاد معلم
(يُتْبَعُ)