الصحابة فيها قول، وظواهر النصوص فيها بعض التردد أي: من جهة نظر المجتهد فيها؛ ولهذا اختلف أهل السنة في رؤية الكفار لربهم في عرصات القيامة على ثلاثة أقوال، وربما ذكر بعض المتأخرين قولًا رابعًا. وهذا بخلاف مسألة رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة وفي الجنة؛ فهي وإن كانت رؤية كما أن مسألة الكفار رؤية إلا أن القول في رؤية المؤمنين يعد من القول في أصول الدين؛ لأن الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة متواترة في أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات القيامة وفي الجنة، وقد جاء في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث متواترة بلغ رواتها من الصحابة نحوًا من ثمانية وعشرين صحابيًا. ومما يبين أن المخالفين للسلف من أئمة الكلام وغيرهم هم من أجهل الناس بالسنن والآثار، كلام بعض أئمة الاعتزال، حيث نرى القاضي عبد الجبار بن أحمد، وهو عمدة المتأخرين من المعتزلة، لما تكلم عن مسألة الرؤية قال: وأما الأحاديث المروية في السنة فهي آحاد، فإنه لم يروها عن النبي إلا جرير بن عبد الله البجلي. وهذا جهل علمي محض، فإن هذه الأحاديث قد رواها -كما تقدم- ما يقارب الثلاثين من الصحابة، فكيف يقع له -وهو عمدة من كبار أئمتهم- أن يقول: إنه لم ترد إلا من طريق جرير بن عبد الله؟! ثم طعن في الطريق الذي رواه جرير بن عبد الله مع أنه في البخاري، فهو يبطلها من أوجه يعلم بالضرورة أنها من محال الغلط. وكذلك ثمة مسائل علمية هي من الأصول: فإن الصلاة من المسائل العملية، ومع ذلك قد أجمع المسلمون على أن الصلاة ركن من أركان الإسلام، فكيف يقال: إن الفروع هي المسائل العملية؟ إذًا: هذه الحدود التي يستعملها من يستعملها من المتكلمين ومن يوافقهم للتفريق بين أصول الدين وفروعه، هي ما أراد شيخ الإسلام رده وإبطاله. أما القول في مسائل الصفات، ومسائل القدر، ومسائل الإيمان، ومسائل الصلاة -أي: من جهة وجوبها وركنيتها- وأمثال ذلك فإن هذا لا شك أنه من القول في أصول الدين، وهذا ليس محل نزاع بين السلف، بل ولا محل نزاع بين سائر طوائف المسلمين. هذه هي المسألة الأولى التي قصد التنبيه إليها؛ لأنه يقع في كلام شيخ الإسلام رحمه الله ما هو تارةً من الذم لهذا التقسيم، فينبغي أن يفهم على وجهه.
شرح الحموية:للشيخ يوسف-حفظه الله-