ما وسع من قبله من الولاة.
والجواب: أن العالم ليس من حقه أن يفرض على الناس رأيه ولا يشترط ألا يعمل ولي الأمر إلا بفتوى شخص أو أشخاص فالله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم"وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله"ولم يفرض عليه الأخذ بقول من استشاره ولا يصح أن يصدر هذا الكلام إلا ممن هو شريك في اتخاذ القرار، كما أن قوله"وليسع ولي الأمر"لا ينبغي أن يقال هذا الكلام إلا لمن ابتدع في دين الله بدعة وخالف النصوص الشرعية وإجماع الأمة، ولا ينطبق هذا بتاتًا على فعل ولي أمرنا حفظه الله، كما جاء في بيان لبعضهم عدة تعليلات ليست مقبولة لا من الناحية الشرعية ولا العقلية وسوف أستعرض أهم ما ذكره في البيان والجواب عليه:
أولًا: عنون فضيلته حفظه الله هذا البيان بقوله"فتنة التوسعة في المسعى والرد على شبهات المجيزين لها"وهذا أمر غريب وخاصة إذا صدر من عالم جليل، فالفتنة التي ذكرها هي في إصدار هذا البيان وليست الفتنة في قيام ولي الأمر بعمل ما هو مشروع ونافع بشهادة الثقات وأهل الاختصاص وجمع كبير من علماء الأمة، فالفتنة حقًا هي في إثارة العامة والتشويش عليهم في أمر يتعلق بصحة العبادة بناءً على رأي رآه هو ومن وافقه رغم مخالفة هذا الرأي من قبل علماء أجلاء وأهل اختصاص.
ثانيًا: ذكر أن ولاة الأمر يستندون في الفتوى على هيئة كبار العلماء ولا يسمحون أن يتدخل في الفتوى غيرهم وإنما يصدرون عن رأي الهيئة.
والجواب: أن هيئة كبار العلماء لم تجمع على ما رآه صاحب البيان بل هناك من الأعضاء في الهيئة من رأى جواز هذه التوسعة وهناك من رجع إلى القول بالجواز فأخذ ولي الأمر برأي هؤلاء مع عدد كبير من علماء الأمة من خارج الهيئة، وليست هذه أول مسألة يأخذ ولي الأمر فيها بقول بعض الأعضاء دون البعض الآخر، فهناك مثلًا اعتماد الملك فهد رحمه الله على رأي البعض في مسألة تهريب المخدرات، ومن العجيب جدًا أن يخفى على فضيلته أن المفتي ليس كالقاضي، فالمفتي لا يلزم الناس بفتواه فضلًا عن ولي الأمر، أما القاضي فهو الذي يلزم الخصمين بقضائه كما هو مقرر عند أهل العلم فكيف يريد أن يلزم ولي الأمر بما ليس بلازم، كما أن رأي الأغلبية ليس بلازم أن يكون هو الحق فالله عز وجل ذم الكثرة بقوله (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) ومدح القلة بقوله (وقليل ما هم) كما قرره أهل العلم.
ثالثًا: ما اعتمده من قرار اللجنة العلمية المؤلفة من قبل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله فهو في غير محله فلم تحدد هذه اللجنة الصفا أو المروة وإنما رأوا إزالة بعض الأبنية في وسط الوادي للتوسعة المطلوبة آنذاك وذكر لي معالي الشيخ صالح الحصين الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف أن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله منع الذين وضعوا خشبًا للحد وكان الشيخ محمد بن إبراهيم يجلس في دار الأرقم التي على الصفا وكانت تقع شرقي المسعى المبني، فإذًا عمل اللجنة كان لتوسعة مناسبة في ذلك الوقت تفي بالحاجة لأنه لو كان عملها لتحديد الصفا والمروة فلا يمكن أن يكون عرض جبل الصفا مثل جبل المروة بالتمام كما هو الحال في المسعى الذي هدم هذه الأيام فلا يوجد في هذه الدنيا جبل يتماثل في العرض مع جبل آخر بالتمام كما أن الجبل ليس كالصخرة فلا يكون عرضه إلا عشرين مترًا فقط.
ومما يدل على أن اللجنة لم تحدد عرض الصفا أو المروة ما جاء في فتوى أصدرها الشيخ محمد بن إبراهيم موجودة في مجموع فتاواه ج5 ص145 عام 1380هـ نصها"الذي نراه أن جميع ما أدخلته هذه العمارة الجديدة فإنه يشمل اسم المسعى لأنه داخل في مسمى ما بين الصفا والمروة"فقوله هذا يوضح أن التوسعة لم تخرج عن مسمى المسعى ولم يقل إن العمارة حددت المسعى الشرعي، ولم يعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو صحابته رضي الله عنهم وضعوا علامات لحدود الصفا أو المروة ولا عرض ما بينهما فبقي الأصل الذي هو عرض الجبلين، وإنما اهتم العلماء بموضع الهرولة وهو بطن الوادي الذي وضع له ميلان أخضران حتى لا يخفى مع كثرة الأبنية ومرور الزمن.
رابعًا: ذكر أنه لم يعترض أحد من العلماء على توسعة الملك سعود لأن مساحة المسعى قد استغرقت ما بين الصفا والمروة.
(يُتْبَعُ)