أن يبقى آخرهما صدورا متصفا بالأهلية إلى صدور آخرهما: معناه أن يبقى الموجب متصفا بأهلية البيع حتى يقبل القابل، فإذا قال لك البائع: بعتك هذا الجهاز بألف ومات قبل أن تقول قبلت، فالعقد غير صحيح لم ينعقد بعد، وإذا قال لك: بعتك هذا الجهاز بألف فأغمي عليه، أو حجر عليه، صدر عليه حكم، نطقت المحكمة بالحكم في ذلك الوقت بالحجر عليه، أو نحو ذلك فالعقد غير صحيح، ومثل ذلك عزله عن البيع، إذا كان وكيلا في البيع فقال: بعتك هذا الجهاز بألف وقبل قبولك أنت عزله موكله، فقد زالت الأهلية هنا فلا ينعقد البيع بذلك، ومن هنا فهذه الشروط الثلاثة لا بد من تحققها في صيغة البيع، وهي وقوع الإيجاب والقبول على محل واحد، واتصالهما، بحيث لا يخيل ذلك إعراضا عن البيع، لا يخيل الانفصال إعراضا عن البيع، وصدور آخرهما في حال اتصاف الموجب أو ما صدر أولا بأهلية البيع إلى كمال العقد.
والركن الثاني من هذه الأركان هو أيضا على سبيل البسط ركنان وعلى سبيل الاختصار ركن واحد وهو:
العاقد: فعاقد هذا العقد وهو مجريه، قسمان بائع ومشتر، وعلى سبيل البسط يقال ركنان بائع ومشتر، وعلى سبيل الاختصار ركن واحد وهو العاقد، وهذا العاقد يشترط له ستة شروط، الشرط الأول:
العقل: فإن كان فاقد العقل كالمجنون والمعتوه والمبرسم في حال عدم إفاقته فإنه لا ينفذ عقده لأنه قد رفع عنه القلم في ذلك الوقت والعقد تصرف، واختلف في السكران، إذا كان الإنسان سكرانا في حال إجراء العقد فأجرى عقدا من العقود فقالت طائفة من أهل العلم قد أدخل السكر على نفسه فهو الذي تسبب في زوال عقله فلذلك ينفذ عليه كل تصرفاته، سواء كانت إتلافا أو طلاقا أو عتقا أو بيعا أو شراء، وهذا القول يعتبر المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، لأن السكر معدوم شرعا لأنه يحرم عليه، فهو كالمعدوم حسا، ولذلك فهذه قاعدة عامة وهي: هل المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، والراجح في المذهب المالكي وغيره أن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، وقالت طائفة أخرى بل لا يلزمه شيء من ذلك لأن عقله غائب، فقد رفع عنه القلم بذلك فإثمه في سكره، لا في تصرفه بعد السكر، وعلى هذا لا يلزمه شيء من تصرفاته حتى يفيق، وقالت طائفة ثالثة بالتفصيل وهذا المشهور عند المالكية، وهو أن الأمور التي لا نكرة فيها التي لا تقع فيها المناكرة لا تلزمه والأمور التي فيها نكرة تلزمه، وهذا ما نظمه القواعدي بقوله:
لا يلزم السكران إقرار عقود
بل ما جنى عتق طلاق وحدود
لا يلزم السكران إقرار، فإذا أقر لآخر بدين مثلا فلا يلزمه الإقرار بذلك لأن عقله غائب، ومن شرط الإقرار حصول العقل الذي هو مناط التكليف، عقود كذلك إذا باع أو اشترى فإن مرجع البيع والشراء كما ذكرنا من قبل إلى الرضا، لقول الله تعالى: ?إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم?، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما البيع عن تراض» ، والسكران ليس له رضا لأنه غائب العقل، والرضا محله العقل، فعلى هذا لا تلزمه العقود، بل ما جنى، معناه بل يلزمه ما جنى فإذا أتلف شيئا لزم في ماله، لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء، وهو بمثابة المخطئ في تصرفه.
عتق طلاق للنكرة فيهما، لأنه إذا أعتق فأنكر أن يكون أعتق بعد إفاقته من سكره أو طلق فأنكر فبالإمكان أن يناكره الطرف الآخر وبالإمكان أن يزعم كل مطلق أو كل معتق أنه كان سكرانا في وقت تصرفه، يريد بذلك رد تصرفه، فلهذا يلزمه هذا التصرف، فما فيه نكرة، من التصرفات يلزم بها، وما لا نكرة فيه لا يلزم به.
وهذا القول أعدل وأصوب لأنه مراع لمصالح الطائفتين، مراع لمصالح المحجور عليه، ولمصالح المعامل الذي يتعامل معه، وعموما فإن العقل هو الذي يعلم به الرضا فهو مشروط به، ثم بعد هذا الشرط الثاني من هذه الشروط:
(يُتْبَعُ)