فهرس الكتاب

الصفحة 7719 من 20085

والغربة في ديار المسلمين. وكثير من مبتدئة طلبة العلم - وكاتب هذا الكلام من أدناهم علما ومنزلة - فيهم ما فيهم من آثار الجاهلية ورواسبها، مع ما أوتوا من الورع والديانة وتلمس سبل الطلب .. نسأل الله لنا ولهم السلامة والعافية .. فلربما رأيتهم يتحيزون لما يوافق هواهم من الاجتهادات العلمية من حيث لا يشعرون، مع قصورهم عن الترجيح العلمي المنضبط .. ويسعون الى إلزام المخالفين بمواقفهم من المسائل على أنها حقائق ثابتة يقينية! مع أنهم فيما يذهبون اليه أكثرهم يقلدون في الحقيقة ويختارون من بين الأقوال لا بقوة الاستدلال وانما بشهادة الحال فيمن يفتي بهذا ومن يفتي بذاك .. ومع ذلك تراهم يتهمون الآخذين بقول من الأقوال المخالفة لهم اتهاما مسبقا، ربما لموافقة ذلك القول لهوى بعض أولياء الأمور أو ما الى ذلك، فاذا بهم ينتصرون للقول لا لشيء الا لكونه مخالفا لما قبله أتباع الهوى المشهورين بذلك، وعليه بعض مشايخهم الذين يقلدونهم!! فلا تراهم الا يفرون من اتباع الهوى الى اتباع الهوى المخالف من حيث لا يشعرون!

والقضايا العلمية لا يحكم فيها بالهوى أو العواطف أو الانفعالات .. أو ردود الأفعال .. وانما يحكم فيها بالأدلة والاستنباط والنظر المنضبط .. وما خرجت بدعة في تاريخ الدين الا وكان وراءها عاطفة جوفاء تخلو من العلم القويم ولا تقوم الا على فهم عليل سقيم .. وسواءا كان صاحب البدعة يريد الحق ويتوهمه فيما يتأول من الدين وفيما يبتدع، أو كان مبطلا ماكرا متآمرا على المسلمين يتعمد اضلالهم، ففى جميع الأحوال فان بدعته لا تصير فرقة يلتف من حولها الناس ينسلون وينخلعون من جماعة المسلمين اليها، الا بسبب العاطفة الجوفاء ونواقص النفوس والجهل المبين ..

وعلى الرغم من أننا لسنا بصدد الكلام في هذه الرسالة الموجزة عن بدعة في الدين، أو مناظرة

المبتدعين، وانما نحن بصدد مناقشة ما فقهه بعض اخواننا في مسألة شرعية فرعية خلافية، الا أننى آثرت أن أضرب المثل في هذه المقدمة بانشقاق أصحاب البدع عن جمهور المسلمين ومشايعتهم لأهل بدعتهم، على ما يقع بين شباب الملتزمين في تلك القضية وغيرها من القضايا الخلافية، لما لمسته من تشابه بين الأمرين عند كثير من الأخوة الملتزمين .. فهذا ناقوس الخطر أبدأ هذه الرسالة بدقه ليفيق هؤلاء.

ومن هنا فانى أبدأ والله المستعان باعلان أنى أرى رجحان القول باعتبار اختلاف المطالع .. والله

تعالى أعلى وأعلم بالصواب ..

وأقول أنى قد تعضد عندى ذلك الظن بموجب ما اطلعت عليه من أدلة في المسألة ومن اجتهادات

علمية فيها.

وللبيان أقول أن الأمر عند كثير من القائلين بوحدة الرؤية، أنهم لا يقولون بذلك فحسب وانما

يحددونه ويربطونه ربطا عجيبا بمكة بالذات .. فلا اعتبار عند كثير منهم بأى رؤية تقع في أى مكان

على البسيطة الا رؤية أهل مكة دون غيرها! ولهم مع الأدلة أقوال واستنباطات نعرض لها فيما بعد ان شاء الله ..

وقبل أن أتناول الأدلة وما ذهب القوم اليه في فهمها، أقول أن القائلين بوحدة الرؤية والمدافعين

عنها، ومع ما أحسبه فيهم من صدق في ارادة الوحدة للمسلمين، الا أنهم في الحقيقة لا يزيدون

الناس الا فرقة وشتاتا من حيث لا يشعرون!

ذلك أنك بدلا من أن ترى أمة فيها دول كاملة بكل قراها ومدنها وبيوتها، تصوم كل دولة منها على

رؤية غير رؤية أختها، وتنحصر تلك الفرقة التى يكرهونها في اطار دول وبلاد كاملة داخل حيز

الأمة الكبير، فانك بما يذهب اليه هؤلاء، ترى الفرقة -قد وصلت الى حد أن البيت الواحد في المدينة الواحدة في البلد الواحد قد تجد فيه رجلين يتبع أحدهما رؤية البلد ويتبع الأخر رؤية مكة وربما يتبع ثالث في نفس البيت، رؤية أخرى نما الى علمه أنها كانت سابقة عليهما! وأنبه الى أن هذه الحال وحتى مع وقوعها، فاني لا أسميها فرقة الا ان قام عليها ما يفرق بين المسلمين من الأقوال والأفعال، - وهو ما يكون من كثير من اخواننا بحسن نية وبكل أسف - أما مجرد الاختلاف في المذهب الفقهي فليس بفرقة!!

فالسؤال هنا هو:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت