فهرس الكتاب

الصفحة 7717 من 20085

ولو أنه عندما رآه فعل أيضا من إظهاره الاستنامة ووضع السلاح والإقبال إلى جهة ذلك الحربي مثل ما فعل في الأولى إلا أنه فقط يظهر أنه غافل عن الحربي ومعرض عن رؤيته بحيث لا يستشعر الحربي أنه رآه، فقصده مسالما لكن يوهم أنه ما شعر بمكانه، وأن فعله ذلك فعل المستريح من حالة حمل السلاح، إذا أمن في موضع ونحو ذلك، حتى اطمأن الحربي، لما توهم من غفلة عنه، لا لموادعة استشعر منه لكان هذا جائزا وهو تورية ومكيدة، لا تتعلق بها خيانة ولا للأمان حرمة، والله أعلم» (الإنجاد في أبواب الجهاد: 232ـ234) .

الترخص بالتقية

ترخص البعض في هذه الأيام بركوب أنواع المنكرات باختياره ودون إكراه بدعوى التمويه على العدو، والتعمية عليه بحيث أن لا يظن فيمن كان هذا حاله أنه من أهل الديانة والتقوى، فلا ينصرف إليه من تركيز البحث والتحري والملاحقة ما ينصرف إلى من هو معلوم ظاهرا وباطنا أنه من أهل الديانة والطاعة، وهنا لا بد من بيان أن الفرق بين التقية والنفاق شعرة، وأن البعض قد وقع في النفاق حقا، وهو يتأوله على أنه تقية.

فمن أجل هذا لا بد من بيان الفرق بين التقية والنفاق، ومتى يجوز استعمال التقية؟ وشروط ذلك؟ وما حدود الأفعال المُرخص فيها؟

قال تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة) (آل عمران: 28) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: «والتقاة ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق ولكن أفعل ما أقدر عليه، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .

فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه وإلا فبقلبه، مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، إما أن يظهر دينه وإما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم، بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون، وامرأة فرعون، وهو لم يكن موافقا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه.

وكتمان الدين شيء وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله قط إلا لمن أُكره، بحيث لو أبيح النطق بكلمة الكفر، والله تعالى قد فرق بين المنافق والمكره (منهاج السنة:6/ 425ـ424) .

فما نراه من ممارسات البعض في هذه الأيام ليس بداخل في باب التقية والعذر، لأنه يُقدم على أمور محرمة باختياره وإرادته بدون إكراه، فواقعه الحقيقي هو أنه بادر بقتال الكفار والغدر بهم ابتداء وهو في حالة ضعف وركب من أجل ذلك أنواعا من المحرمات.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: «وفرق بين الكذب وبين الكتمان، فكتمان ما في النفس يستعمله المؤمن حيث يعذره الله في الإظهار كمؤمن آل فرعون، وأما الذي يتكلم بالكفر فلا يعذره إلا إذا أُكره، والمنافق الكذاب لا يعذره الله بحال ولكن في المعاريض مندوحة عن الكذب» (منهاج السنة:6/ 425) .

فإذًا الترخص بالتقية يكون في حال الإكراه، والترخص كذلك لا يكون عاما في كل فعل، بل هو مخصوص بالأقوال في حال الإكراه.

قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي زيد القيرواني - رحمه الله - (ت: 386هـ) : «ومن كتاب ابن حبيب قال الله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة) وقال (إلا من أُكره) الآية، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمار: (إن عادوا فعد) .

فمن ترك الرخصة وصبر على إظهار الإسلام فذلك له واسع فيما يعرض من القتل، وذلك أحظى له عند ربه إن صدق وقد جاءت به الآثار، قال: إنما الرخصة في القول والقلب مطمئن بالإيمان، وأما على أن يعمل عملا فيسجد لغير الله أو يصلى إلى غير القبلة أو يشرب الخمر، ويأكل الخنزير، أو يزني، أو يقتل مسلما، أو يضربه أو يأكل ماله وما أشبه ذلك فلا رخصة له، وإن خاف القتل.

قال ابن عباس - رض الله عنهما-: «التقية بالقول وليس بالفعل ولا باليد» (النوادر والزيادات3/ 312) .

وقال أيضا: «ومن كتاب ابن سحنون: قال الأوزاعي: أبيح للمكره القول ولا يُصدق ذلك بعمل، قال: فإن أكره على ذلك مثل السجود للوثن أو صليب أو أكل خنزير وشرب خمر، فلا يفعل، وليختر القتل وقاله قتادة» النوادر والزيادات - 31/ 312).

وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - (ت: 795هـ) : «والقول الثاني أن التقية إنما تكون في الأقوال ولا تقية في الأفعال، ولا إكراه عليها، رُوي ذلك عن ابن عباس وأبي العالية، وأبي الشعثاء والربيع بن أنس، والضحاك وهو رواية عن أحمد، وروي عن سحنون أيضا» (جامع العلوم والحكم:2/ 372) .

أسأل الله عز وجل أن تكون ظهرت الفروق الدقيقة بين «الخدعة» و «الغدر» و «التقية» و «النفاق» والله الهادي إلى سواء السبيل.

والحمد لله رب العالمين.

الشيخ الدكتور حمد العثمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت