يكون بالاعتقاد وبالقول وبالفعل وبالشك وبالترك , وليس محصورا بالتكذيب بالقلب كما تقوله المرجئة , ولا يلزم من زوال بعض الإيمان زوال كله كما تقوله الخوارج.
و أختم هذا الفصل بكلام جامع لابن القيم - رحمه الله تعالى - في كتاب:"الفوائد"بيَّن فيه آراء من ضل في معرفة حقيقة الإيمان , ثم ختمه ببيان الحق في ذلك , فقال - رحمه الله تعالى:
"و أما الإيمان: فأكثر الناس أو كلهم يدعونه {و ما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف/103] و أكثر المؤمنين إنما عندهم إيمان مجمل , و أما الإيمان المفصل بما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم معرفة وعلما و إقرارا و محبة , ومعرفة بضده وكراهيته وبغضه , فهذا إيمان خواص الأمة وخاصة الرسول , وهو إيمان الصديق وحزبه."
وكثير من الناس حظهم من الإيمان الإقرار بوجود الصانع , وأنه وحده هو الذي خلق السماوات و الأرض وما بينهما , و هذا لم يكن ينكره عباد الأصنام من قريش ونحوهم.
و آخرون الإيمان عندهم التكلم بالشهادتين سواء كان معه عمل أو لم يكن , وسواء رافق تصديق القلب أو خالفه.
و آخرون عندهم الإيمان مجرد تصديق القلب بأن الله سبحانه خالق السماوات و الأرض و أن محمدا عبده ورسوله , و إن لم يقر بلسانه ولم يعمل شيئا , بل ولو سب الله ورسوله و أتى بكل عظيمة , وهو يعتقد وحدانية الله ونبوة رسوله فهو مؤمن.
و آخرون عندهم الإيمان هو جحد صفات الرب تعالى من علوه على عرشه , وتكلمه بكلماته وكتبه , وسمعه وبصره ومشيئته وقدرته و إرادته وحبه وبغضه , وغير ذلك مما وصف به نفسه , ووصف به رسوله , فالإيمان عندهم إنكار حقائق ذلك كلهوجحده , والوقوف مع ما تقتضيه آراء المتهوكين وأفكار المخرصين الذين يَرُدُّ بعضهم على بعض , وينقض بعضهم قول بعض , الذين هم كما قال عمر بن الخطاب و الإمام أحمد: مختلفون في الكتاب , مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب.
و آخرون عندهم الإيمان عبادة الله بحكم أذواقهم ومواجيدهم وما تهواه نفوسهم من غير تقييد بما جاء به الرسول.
و آخرون الإيمان عندهم ما وجدوا عليه آباءهم و أسلافهم بحكم الاتفاق كائنا ما كان , بل إيمانهم مبني على مقدمتين: إحداهما: أن هذا قول أسلافنا و آبائنا , و الثانية: أن ما قالوه فهو الحق.
و آخرون عندهم الإيمان مكارم الأخلاق وحسن المعاملة وطلاقة الوجه و إحسان الظن بكل أحد , وتخلية الناس وغفلاتهم.
و آخرون عندهم الإيمان التجرد من الدنيا و علائقها وتفريغ القلب منها و الزهد فيها , فإذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان و إن كان منسلخا من الإيمان علما وعملا.
و أعلى من هؤلاء من جعل الإيمان هو مجرد العلم وإن لم يقارنه عمل.
وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان ولا قاموا به و لا قام بهم , وهم أنواع:
منهم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان.
ومنهم من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان.
ومنهم من جعله ما هو شرط فيه و لا يكفي في حصوله.
ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده.
ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه.
و الإيمان وراء ذلك كله , وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم علما و التصديق به عقدا و الإقرار به نطقا و الانقياد له محبةوخضوعا , والعمل به باطنا وظاهرا , وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان , وكماله في الحب في الله والبغض في الله , والعطاء لله و المنع لله , و أن يكون الله وحده إلهه ومعبوده , والطريق إليه: تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا , وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله. وبالله التوفيق"انتهى"
من كتاب
درء الفتنة عن اهل السنة
ص 14
للعلامة المحقق
بكر بن عبد الله أبو زيد
رحمة الله عليه
تقديم
إمام اهل السنة و الجماعة في وقته
عبد العزيز بن باز
رحمة الله عليه
ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [06 - Aug-2008, مساء 03:52] ـ
كلام جميل بارك الله فيك
ـ [المستبصر] ــــــــ [20 - Sep-2008, مساء 11:05] ـ
بارك الله فيك ورحم الشيخ بكر أبو زيد
ـ [البحث العلمي] ــــــــ [21 - Sep-2008, صباحًا 12:25] ـ
وفي كتاب"صفوة الآثار و المفاهيم"في فوائد قول الله تعالى: {إياك نعبد و إياك نستعين} قال مبينا أن القول بالإرجاء دسيسة يهودية وغاية ماسونية [1/ 187 للشيخ عبدالرحمن الدوسري - رحمه الله تعالى -]
عجبت لهذا الفهم العميق فسبحان الله الذي انار الحق لعباد و اعمى ابصار اخرين
جزاكم الله خيرا على هذا النقل القيم