فهرس الكتاب

الصفحة 6958 من 20085

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"فأنت ترى أن الله لم يقل"وأطيعوا أولي الأمر"مع أنه قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول والسر في ذلك ما أسلفناه أن طاعة أولي الأمر (العلماء والأمراء) ليست مطلقة ولكنها تابعة لطاعة الله ورسوله , أوما سمعتم ابن عباس لما قال لمن رد قول رسول الله بقول أبي بكر وعمر (وهما أبو بكر وعمر) قال له: يوشك أن تنزل عليك حجارة من السماء , أقول لك: قال رسول الله , وتقول: قال أبو بكر وعمر , ورحم الله الإمام مالك لما قال: كل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذ القبر (يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم) ."

يا أيها البرلمانيون الإسلاميون: لماذا دخلتم المجالس الوثنية , ونحيتم شريعة رب البرية -سبحانه وتعالى- عن الحكم والفصل في نزاعات الناس؟ فقالوا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ويوسف -عليه السلام- والنجاشي - رضي الله عنه - فقلت: آه , تقصدون أن هؤلا ء تركوا تحكيم الشريعة وهم من هم , أيها البرلمانيون الإسلاميون: يؤسفني أن أقول لكم: خاب ظنكم ودحضت حجتكم.

-أما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه وأرضاه - فمن سيصدقكم أنه ترك تحكيم الشريعة , وهو من هو في شدة التمسك بالحق , لا يعرف عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -من قال عنه بأنه: ترك تحكيم الشريعة في عام الرمادة ولا في غيره , فإن السبب في عدم قطع يد السارق في عام الرمادة لأنه ليس سارقا على الحقيقة , إذ السارق من يسرق ليغتني , لا من يسرق ليعيش أو ليسكت كلب الجوع , وهكذا كان عام الرمادة , عام اشتدت فيه حاجة الناس واشتد عوزهم فسرقوا , فكانت الحاجة الشديدة والعوز الرهيب والجوع الفظيع شبهة درأ بها عمر - رضي الله عنه الحد - والنبي يقول: ادرؤا الحدود بالشبهات , ثم كيف لعمر أن يعطل حدا هكذا بدون سبب شرعي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كما عند أبي داوود وصححه الألباني عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ومن يجترئ إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فاختطب فقال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.ثم يقال عمر ترك تحكيم الشريعة , سبحانك يا ربنا هذا بهتان عظيم.

-أما شبهة النجاشي فهي أسخف من السخيفة , فالنجاشي أظهر الإسلام والموافقة على ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- وشهد أن ما جاء به محمد وما جاء به عيسى - عليهما السلام - يخرجان من مشكاة واحدة , ولم يبال بحاشيته , ولم يكن يطيعهم في الفساد والإفساد إذا أغروه به , بل كان يحكم بين الناس بما يعلمه أنه الأقرب إلى الحق والأرضى لله رب العالمين , وما بلغه من شريعة محمد طبقه , وما لم يبلغه , فهو معذور فيه , إذ إنه مات والشريعة لما تكتمل , فقد أدى النجاشي ما وجب عليه من الشرع حتى لاقى ربه , أما القول بأنه لم يحكم الشريعة هكذا , فهو قول يفتقر إلى دليل , حاشا سوء الظن بالنجاشي -رضي الله عنه - نسأله تعالى أن يقينا سوء الظن بالمسلمين.

-أما الشبهة في حق يوسف -عليه السلام- أنه لم يحكم الشريعة , ففيها قلة أدب مع نبي من أنبياء الله ما لا يليق بمسلم أن يكون من أهلها , فحاشاه - عليه السلام - ثم حاشاه ألا يحكم الشريعة , وهو من قال الله حاكيا عنه قوله:"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه"وهذه الآيه تحمل معنى جليلا ألا وهو: أن تحكيم الشريعة من توحيد الألوهية , فهل يسع سيدنا يوسف والفاروق والنجاشي أن يخلوا بتوحيد الألوهية , سبحانك ربنا هذا إفك مبين , وهل يتصور بناء على هذا أن يشارك يوسف - عليه السلام - في حكومة طاغوت يحكم قوانين البشر , حاشاه ثم حاشاه , ولذلك جاء عند القرطبي أن هذا العزيز أسلم لله رب العالمين بعد أن دعاه يوسف -عليه السلام - للإسلام , وهذا يتوافق مع قوله تعالى:"وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"إذ لو كان يوسف -عليه السلام-وحاشاه ,يحكم قوانين البشر لما سمى الله وصوله إلى وزارة التموين تمكينا , لأن التمكين هو أن نسوس الكون بمن فيه بالمنهج الذي أوحاه الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد ثبات على الدين في فترة الابتلاءات.

إخواني الموحدين: هذه كلمات آمنت بها , واعتقدت أن الحق في قولها ونشرها , ولا أدعي العصمة , فهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم , وللمنهج الذي جاء به من عند ربه حال حياته ومن بعد وفاته , ما كان في هذا المقال من صواب فمن الله وحده , ما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان , وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء , إلا ما رحم ربي , وأستغفر الله إنه كان غفارا, وأما الخطأ فأرجع عنه ولا أتعصب له , إذا دل الدليل الساطع عليه , وأسأله تعالى أن يلهمني رشدي والمسلمين , وأن يثبتني على الحق إلى ان ألقاه , إنه ولي ذلك والقادر عليه , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم: ابو يونس العباسي

مدينة العزة غزة

25جمادى الآخر ,1429ه

الموافق29>6>2008

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت