2 -الأمر الثاني: أنَّ مشركي العرب مع توحيدهم الله وإقرارهم له سبحانه في (أصل) توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية إلاَّ أنهم كانوا واقعين في (أفراد) من الشرك في هذين التوحيدين أيضًا.
• وشواهد هذا الأمر في الكتاب والسنة كثيرة:
• أمَّا ما كان في شرك العرب في توحيد الأسماء والصفات، فقوله تعالى: (( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ) ).
• وقوله تعالى: (( قل ادعو الله او ادعو الرحمن أيَّنًا ما تدعو فله الأسماء الحسنى ) ).
• وقوله تعالى: (( وهم يكفرون بالرحمن هو ربي لا إله لاَّ هو عليه توكلت وإليه متاب ) ).
• والشاهد من هذه الآيات الثلاثة: أنَّ المشركين كانوا لا يقرُّون ببعض أسماء الله تعالى؛ كالرحمن.
فصلٌ: وأما ما كان من شركهم في الربوبية فقوله صلى الله عليه وسلم: (( أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من مطرنا بنوء كذا فذلك كافرٌ بي ن مؤمنٌ بالكوكب، وأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي، كافرٌ بالكوكب ) ).
• والشاهد من هذا الحديث: أنَّ الشرك في الاستسقاء بالنجوم (وهو نسبة نزول المطر أو سببه إلى الأنواء والنجوم) إنما هو شركٌ في الربوبية.
• ووجه كونه شركًا في الربوبية: أنه اعتقاد تأثير بعض الأنواء بكونها منزلةً للمطر أو سببًا لنزوله؛ والواجب نسبة إنزال المطر لله وحده، وعدم جعل شيءٍ سببًا لم يجعله الله كذلك.
• وهذه النسبة تناقض توحيد الربوبية؛ الذي هو توحيد الله بأفعاله؛ ومن أفعاله: إنزال المطر.
• ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: (( الطيرة شرك، الطيرة شرك ) )، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الرقى والتمائم والتولة والطيرة شركٌ ) ).
• والشاهد من هذين الحديثين: أنَّ الطيرة - وهو التشاؤم - شركٌ في الربوبية.
• ووجه كونه شركًا في الربوبية: أنه اعتقاد تأثير بعض الأعيان أو الأزمان بالشر والسوء على الناس؛ والواجب نسبة الخلق لله وحده، وهو يناقض توحيد الربوبية؛ الذي هو توحيد الله بأفعاله.
• وكذا الاعتقاد في التولة (وهو ما يصنع من الرقى التى تحبب أحد الزوجين للآخر) أنها جالبة للنفع، أو الرقى عمومًا أنها دافعة للضر؛ كالعين والسحر والجن = فهذا كله من الشرك في توحيد الربوبية.
• وكذا قولهم: (( وما يهلكنا إلاَّ الدهر ) )؛ فهذا نسبة الإماتة للدهر، وهو شركٌ في الربوبية.
• وكذا قولهم في الشجرة المتبرَّك: (( اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ) )؛ فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (( قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: (( اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة ) )، ووجهه اعتقاد جلب النفع من غير الله، وهو شرك في الربوبية.
• وكذا حرمة التصوير؛ بتعليل: (( المضاهاة لله تعالى في الخلق ) )= هو من هذا الباب، وكان المشركون أصحاب تماثيل وتصاوير.
• تنبيه: ولو جعلنا (توحيد الحاكمية) قسمًا رابعًا من أقسام التوحيد! وهو وجهة نظر، فيها نظَر! لأنَّه خلاف المشهور، ولأنَّه فرد من أفراد توحيد الألوهية = أقول: ولو جعلناه قسمًا رابعًا لقلنا إنَّ مشركي العرب - وغيرهم كاليهود - كانوا واقعين أيضًا في شرك الحاكمية.
• تنبيهٌ آخر: فإن قيل-وقد قيل-: فكيف يُجمع يين ما ذكره الله في كتابه من إقرار المشركين بأفراد الربوبية وبين ما ذُكِر من وقوعهم في أجناس من الشرك به؟!
• فالجواب: أنَّ الإقرار محمول على الإقرار من حيث (الجملة) ، وليس في كلِّ الأفراد.
• وأما الشرك الذي كانوا واقعين فيه فهو في بعض الأفراد دون بعض.
• والمتأمِّل لصنيع الشيخ محمد بن عبدالوهَّاب رحمه الله في كتابه العظيم (التوحيد) إنما أراد الردَّ على مشركي زمانه الذين كانوا يفسرون التوحيد بالربوبية حسبُ؛ فبيَّن أنَّ شرك العرب كان (معظمه) في الألوهية؛ وهو ماكانوا واقعين فيه؛ وهو اتخاذهم الوسائط إلى الله؛ فشركهم مثل شرك من قبلهم؛ بل أشد.
• وقد عنون هو رحمه الله في كتابه الآخر (التوحيد) أبوابًا يفهم منها هذا الذي بيَّنته ونبَّهت عليه؛ كباب من تبرَّك بشجرة او حر أو نحوهما، وباب ما جاء في التطيُّر، وباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، وباب قوله: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ... ) ، وباب من سبَّ الدهر فقد آذى الله، وباب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات ... الخ.
• والنصوص التي أوردها تحت هذه الأبواب أوضح بيان على ما ذكرت.
• وقال في مسائل الجاهلية: المسألة 38: الإلحاد في الصفات؛ كقوله تعالى: (( ولكن ظننتم أنَّ الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون ) ).
• وفي المسألة 39: الإلحاد في الأسماء؛ كقوله: (( وهم يكفرون بالرحمن ) ).
• وخلاصة ما تقدَّم في ثلاثة أمور:
1 -الأول: أنَّ المشركين كان عندهم خلل في أصل توحيد الألوهية (العبادة) ؛ لذا ما كانوا مقرِّين بإله واحدٍ يستحق كل انواع العبادة، من دعاء ونذر واستغاثة , ... الخ؛ كما حكاه الله عنهم، فقال: (أجعل الآلهة إلهًا واحدًا إنَّ هذا لشيء عجاب) .
2 -الثاني: أنَّ المشركين كانوا مقرِّين لله بتوحيد الربوبية، لذا حين يسألون عمن ينزل المطر ويحي ويميت ويرزق فإنهم يقولون: (الله!) .
لكن وقعت منهم أفراد إشراك في هذا التوحيد.
3 -الثالث: أنَّ الحكم على الأصل والعموم، لا على الأفراد.
لذا استدلَّ أئمة التوحيد سلفًا وخلفًا على مشركي زمانهم بما كان عليه حال مشركي الأمم السابقة؛ إذ لم يفهم هؤلاء المعاصرون معنى الشرك الذي لأجله اكفرهم الله ودعاهم الأنبياء إلى نقيضه.
وكونهم مقرين بـ (وجود الله) لم يترك الأنبياء محاربة ما كانوا يعتقدونه من وثنيات وشركيات.
وكونهم كانوا يتقربون إلى الله بشيءٍ من أنواع العبادات فهذا لم ينف عنهم الكفر، ولم يخرجهم من دائرة الشرك.