فهرس الكتاب

الصفحة 6782 من 20085

قال شيخُ الإسلام ابنُ تَيْمِيَةَ في كتابه"الصَّارِم المَسلول، على شاتِم الرَّسول":"هو إجماعُ الصَّحابة - رضي الله عنهم - وبعضُ الفقهاء حدَّدها بثلاثة أيَّام، وبعضُهم بأقلَّ، وبعضهم بأكثرَ، ومنهم مَنْ قال: يُسْتَتابُ أَبَدًا، واسْتَثْنَوْا من ذلك الزِّنْديقَ؛ لأنَّه يُظْهِرُ خلاف ما يُبْطِنُ؛ فلا توبةَ له، وكذلك سابَّ الرَّسولِ - صلَّى الله عليه وسلم - لحُرْمَة رسول الله وكرامته؛ فلا تُقْبَلُ منه توبةٌ".

فإن أَصَرَّ على القتل، وصبرَ على الكُفْر؛ فليس فيه مثقالُ ذرَّةٍ من خَيْرٍ نافعٍِ، ومثلُ هذا لا يُؤْسَفُ على ذَهابه؛ بل قَتْلُهُ راحةٌ للبلاد والعِباد؛ حفظًا للدِّين، وصيانةً له من أن يتَّخِذَهُ السُّفهاءُ هُزُوًا ولَعِبًا، يؤمنون به وَجْهَ النَّهار، ويَكْفُرون آخِرَهُ؛ ليُدْخِلوا الشَّكَّ والشُّبْهَة على ضِعافِ الإيمان. وصدقَ الله العظيمُ إذْ يقولُ: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج:18]

ولا عَجَبَ أن يَفْرِضَ الإسلامُ قَتْلَ المُرْتَدِّ، فإنَّ كلَّ نظامٍ في العالم - حتى الذي لا ينتمي لأيِّ دِينٍ أصلًا - يُعَاقِبُ مَنْ خَرَجَ عليه بالإعدام أحيانًا، أوِ السّجْن المؤبَّد، ويُسَمُّونَهُ باسم (الخِيَانة العُظْمَى) ؛ فكيف يُحْتَجُّ على الإسلام بقَتْل المُرْتَدِّ عنه وهو دِين الله إلى الثَّقَلَيْن؟!

أما قول جمعة: إنَّ العُقوبةَ الدنيوية للردة لم تطبق على مدار التاريخ الإسلامي فخطأ محض والمشهور عند أهل العلم عكسُه! فإن قصَّةَ عبد الله بن أبى سَرْح الذي كان يَكْتُبُ لرسول الله - صلَّى الله عليه وآله وسلم - ثمَّ ارْتَدَّ مشركًا، وسار إلى قريشٍ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَر، وفيها أنَّ النَّبِيَّ أَهْدَرَ دَمَهُ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ حتَّى ولو تعلَّق بأستار الكعبة، فاستأمن له عثمانُ بنُ عفان وأتى به تائبًا رَاجِعًا إلى الإسلام، كما في سنن أبي داود وغيره، وحروب الردة التي خاضها أبو بكرٍ ومعه جمهورُ الصحابة ضِدَّ المرتَدِّين كما هو مروي في الصحيحين، قال أبو محمد بن حزم في"الملل والنحل": انقسمتِ العرب بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - على أربعة أقسام: طائفة بقيتْ على ما كانت عليه في حياته وهم الجمهور، وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا إلا أنهم قالوا نُقِيمُ الشَّرائِعَ إلا الزكاةَ وهم كثير لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى، والثَّالثةُ أعلنتِ بالكُفْرِ والرِّدَّةِ كأصحاب طليحة وسجاح وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كل قبيلة مَنْ يُقَاوِمُ مَنِ ارتد، وطائفة تَوَقَّفَتْ فلم تطع أحدا من الطوائف الثلاثة وتربَّصُوا لمن تكون الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز وَمَنْ مَعَهُ غَلَبُوا على بلاد الأَسْوَدِ وَقَتَلُوهُ، وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ باليمامة، وعادَ طُلَيْحَةُ إلى الإسلام، وكذا سجاح، ورجع غالب مَنْ كان ارْتَدَّ إلى الإسلام فَلَمْ يَحُلِ الحَوْلُ إلا

والجميع قد راجعوا دِينَ الإسلام، ولله الحمد"."

وفي الصحيحين أن مُعاذَ بنَ جبل لما قدم على أبي موسى في اليمن وجد عنده رَجُلًا موثقًا، قال: ما هذا؟ قال: كانَ يَهُوديًّا فأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يُقْتَلَ؛ قضاء الله ورسوله. ثلاث مرات، فأَمَرَ به فَقُتِلَ، وفي روايةٍ وكان قد اسْتُتِيبَ قبل ذلك"."

وروى سعيد بن منصور في سُنَنِه أنَّ أبا مُوسى لما فتَحَ تُسْتَرَ بعث إلى عمر بن الخطاب ... فقال عمر هل كان من مغربة خبر؟ قلتُ: رجلٌ منا كَفَرَ بعد إسلامه قال: فماذا صنَعْتُم به؟ قال: قلت: قَدَّمْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ قال: اللَّهُمَّ إنِّي لمْ أَرَ وَلمْ أشهدْ، وَلمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي، ألا طَيَّنْتُمْ عليه بيتًا، وأدْخَلْتُمْ عليه كل يَوْم رغيفًا لعلَّه يَتُوبُ"فأنكر عُمر عليهِمْ قَتْلَهُ بدون استتابة، وصحَّ عن علي بن أبي طالب - في خلافته - أنه قَتَلَ أُناسًا زَعَمُوا أَنَّه ربُّهم، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: إن إسناد هذا صحيح، وقتل خالد بن عبد الله القسري أميرُ العراق الجَعْدَ بْنَ درهم في مصلى العيد، وقال: أيُّها النَّاس، ضَحُّوا تقبَّل اللَّهُ ضحاياكم، فإنِّي مُضَحٍّ بالجَعْدِ بْنِ دِرْهَم؛ فإنَّه زعم أنَّ الله لم يتَّخذ إبراهيم"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت