فهرس الكتاب

الصفحة 6558 من 20085

سادسًا: بعد وفاة المؤلّف يبدأ الكتاب في رحلة زمنيّة عبر التّاريخ يدخل من خلالها في صراع البقاء أو الفناء، وكلّما ابتعد عصر المؤلّف كلّما زادت فرص ضياع أصله الأوّل، ويمكن أن يصاحب ذلك فقدان الفروع التي انتسخت منه، كما يمكن أن يبقى الأصل دون الفرع أو الفرع دون الأصل أو يبقيان جميعًا وذلك من فضل الله على مؤلّفه وعلى النّاس ولكنّ أكثر النّاس لا يشكرون.

سابعًا: محطّة الوصول وهي رفوف الكتب وخزائنها التي تحتفظ في عصرنا الحاضر بهذا التّراث الضّخم الذي دخل من قرون غابرة في سباق زمني حتّى وصل إلينا بهذا الشّكل الذي يجعلنا حقًّا نحنّ بشوق ولهف إلى الزّمن الأوّل ومعرفة قصّة كلّ كتاب تنهض أسرة التّراث بعبء تحقيقه.

ثامنًا: طباعة هذه المخطوطات بعد إجراء عمليّات جراحيّة قيصريّة دقيقة، يتوقّف مدى نجاحها بعد توفيق الله على خبرة الأطبّاء المتخصّصين في ميدان الجراحة، وهؤلاء الأطبّاء هم خبراء المخطوطات الذين رزقوا ذوقًا رفيعًا وعلمًا غزيرًا، إذ التّعامل مع المخطوطات فنّ دقيق تترتّب عليه مسؤوليّات تاريخية وعلميّة، ولا شكّ أنّ الفشل سيصحب أيّ عمليّة يتولاّها غير متخصّص في فنّه.

إنّ هذه المرحلة الأخيرة تعدّ بعثًا جديدًا للمخطوط وإحياء له في شكل آخر لم يعهد عند الأوّلين الذين عرفوا الكتاب في أوضاع خطيّة لا تتجاوز نسخه شيئًا كثيرًا، بخلاف عصر الطّباعة فإنّ الكتاب الواحد يطبع منه الألوف من النّسخ، وهذا شيء جديد لم يعرف في الزّمن الغابر. ومن هنا تعظم المسؤوليّة على محقّق الكتاب فأدنى إهمال أو تقصير في إحياء الكتاب سيكون صداه واسعًا في أسرة التّراث المنتشرة في بقاع الأرض.

إنّ المرحلة الثامنة وهي انتشار الكتاب بعد طباعته تشبه إلى حدّ ما المرحلة الخامسة السّابقة وهي بداية انتشار الكتاب في شكل نسخ فرعيّة انتسخت عن أصل المؤلّف، ووجه الشّبه بينهما أنّ الذي كان يتولّى انتساخ فروع عن أصل المؤلّف أو أصل قريب من عهده نسّاخ علماء، أو ورّاقون متخصّصون، أو ورّاقون تجّار همّهم الأكبر سرعة انتساخ الكتاب دون مراعاة عنصر المقابلة والتّصحيح، ويقابل هذا تمامًا ما نلحظه من تفاوت مراتب المتعاملين مع نصوص التّراث في عصرنا الحاضر؛ فمنهم جهبذ ذو قدم راسخة في العلم والمعرفة يحسن جدّا فنّ التّعامل مع المخطوطات ويخرجها في شكل يفرح له عشّاق التّراث، وآخرون دونهم في العلم لكن لهم ذوق ومعرفة ودربة أهّلتهم لإخراج نصوص تليق بمؤلّفيها، وآخرون خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيّئًا عسى الله أن يتوب عليهم، ودونهم معضلة هذا العصر وهم المتطفّلون الذين مسخوا التّراث مسخًا لم يعهد له مثيل، وشوّهوا جمال نصوص أعلامنا تشويهًا بليغًا.

لقد مرّت مرحلة زاهية في مسيرة الأسرة التّراثيّة حين كان ينزل الكتاب إلى عالم الطّباعة ويتصدّى له أكثر من علم تحديدًا لإيجابياته وسلبياته، وأدّى ذلك الفحص الدّقيق إلى ظهور نصوص رائعة تولّى تحقيقها فطاحلة هذا العلم وتلامذتهم النّجباء، بل كان أحدهم يطلب بنفسه من علم آخر أن يتولّى نقد تحقيقه في تواضع جمّ وأدب علمي رفيع، فكانت مبادلات علمية ونقاشات هادفة أثرت والحقّ يقال مكتبتنا التّراثية، وما زالت تلك المطارحات بين الأديب الكبير شيخ المحقّقين عبد السّلام هارون وأنستاس الكرملي تتجلّى في ذاكرة الواحد منّا، لما تميّزت به من نقود بارعة، وإبداء قراءات أخرى لكلمات يتجاذبها الشّكل والمعنى.

وأخيرًا:

علينا أن ندرك أنّ المخطوط أشبه بالكائن الحيّ، فيعتريه ما يعتري الكائنات من حرق وغرق وتآكل وانطماس وفقدان وشيخوخة وبلل ومرض وغير ذلك من عوامل لا تخفى، وقد قال أبو سعد ابن دست رحمه الله في ذلك شعرًا:

عليك بالحفظ دون الجمع في كتب * فإنّ للكتب آفاتٍ تفرّقها

النّار تحرقها والماء يغرقها * والفار يخرقها واللّصّ يسرقها

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت