ومن سمات الإيجابية: الواقعية في إدراك أن تفاوت القدرات إنما هو بسبب تنوع المواهب واختلاف الاستعدادات؛ ذلك أن الله قسم الأعمال والأخلاق كما قسم الأموال والأرزاق، وعلى كلٍ أن يرضى بما فتح له فيه، وأفضل الأعمال بعد الفرائض يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه.
قال شيخ الإسلام:"وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر، فقد يكون على المفضول أقدر منه على الفاضل، ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل، فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له، وهو في حقه أفضل، ولا يطلب ما هو أفضل مطلقًا، إذا كان متعذرًا في حقة أو متعسرًا يفوته ما هو أفضل له وأنفع".
ومن الناس من فتح الله عليه في باب دون باب، ومنهم من فتح الله عليه في كل باب، وضرب له في كل خير بسهم، وما على من دعي يوم القيامة من أبواب الجنة الثمانية من حرج، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وفي الجملة فإن التربية أصل ضخم وأساس متين، لا يتم بدونه تغيير، ولا تنجح بدونه دعوة، وليس له غاية ينتهي عندها، ولا يستغني عنها الكبير فضلًا عن الصغير، ولا المنتهي فضلًا عن المبتدي.
وللتربية أنواع متعددة:
فتربية علمية تؤهل القادرين، وتبني ملكات الفهم، وتضبط قواعد العلم، قال تعالى: وقل رب زدني علما {طه:114} .
وأخرى وجدانية تعنى بالمشاعر، وترعى الخواطر، وتوقظ القلوب، قال تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم {النور:63} .
وثالثة جهادية تحرك إيمان الصادقين، لتدافع عن ديار المسلمين، قال تعالى: وإن جندنا لهم الغالبون {الصافات:173} .
ورابعة إيمانية تصون الإيمان أن يبلى، واليقين أن يُزوى، والفرد أن يتردى، قال تعالى: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا {البقرة:137} .
وللتربية مستويات ومجالات؛ منها ما يوجه للأمة بعامة، ومنها ما يوجه لقاعدة الدعوة بخاصة
ووسائلها جميعًا أعم من الدرس والموعظة والصحبة والرحلة، ولكن جوهرها القدوة!.
آفات التربية
وكما أن لكل عمل عظيم آفات، فمن أخطر آفات التربية: التهوين من شأن العقيدة، وضعف التربية على معانيها، والتربية على التقليد والتعصب لراية أو شعار دون الإسلام، والمغالاة في النظرة للتربية الخاصة على حساب البلاغ المبين للدين، والاهتمام بالشكل دون المضمون، والعناية بالظاهر على حساب الباطن، وفقدان التوازن بين أنواع التربية ومجالاتها، واتخاذ الترخص الجافي منهجًا في مسائل الفقه والأحكام، أو اعتماد التنطع الغالي منهجًا في مسائل التوحيد والإيمان، وكما أن التهور والاندفاع اليائس يعكس خللًا تربويًّا، فالتثاقل والتباطؤ ينبئ عن عجز وكسل، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم.