فهرس الكتاب

الصفحة 5631 من 20085

14 -واستدل بقوله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) وبقوله تعالى (من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام , ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا) وألزم المعتزلة بأحد اختيارين: إما أن يثبتوا أن الله هدى المؤمنين وأضل الكافرين. وإما أن يقولوا فيمن ختم الله قلوبهم إن الله هداهم وشرح صدرهم وأضلهم وهو تناقض.

15 -واستدل بقوله تعالى (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) وبقوله تعالى (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) وبقوله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وخلص إلى أن الله تعالى قد أمر الكفار بما لا يقدرون عليه وهو الإيمان. وقال: وهذا يبين أن الله خلق كفرهم ومعاصيهم

قلت: لا بد أن يكون قصده بأمرهم الأمر الشرعي وبالقدرة المنفية القدرة الكونية.

16 -مسألة في الاستثناء:

ذكر أن من مذهب المعتزلة أنهم يعتقدون أن الله تعالى يشاء إعطاء كل ذي حق حقه, وأخبرهم بأنه لو كان هذا صحيحا لكان من قال لغيره: (سأعطيك حقك إن شاء الله) ولم يعطه حانثا. لأن الله شاء ولكنه لم يعطه, وهذا باطل, لأنهم هم يقولون: (لا يحنث) وهذا تناقض منهم. فصح أن الله تعالى قد يشاء وقد لا يشاء أن يعطي أحدا ما حقه.

17 -مسألة في الأرزاق:

18 -أنكر على المعتزلة قولهم إن ما يأكله العبد من الحرام لم يكن من رزق الله له, وألزمهم أن يقولوا إن للعبد رازقين , أحدهما يرزقه الحرام والآخر يرزقه الحلال. وأن العبد إذا أكل الحرام عمره فإنه تغذى جسمه ونمى بغير رزق الله تعالى, وهذا كفر عظيم.

19 -وأنكر عليهم نفيهم أن يكون الحرام من رزق الله تعالى معللين ذلك بأن من رزق الحرام تملكه وهذا منكر عندهم, ورد هذا بأن البهيمة التي ترعى الحشيش والطفل الذي يرضع من أمه رزقا ولم يملكا.

20 -وألزمهم إن قالوا: إن الله أقدر العبد على الحرام ولم يلكه إياه بأن يقولوا إنه يرزقه الحرام ولا يملكه ولا فرق.

21 -واستدل بقوله تعالى (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) على أن هدى الله خاص بالمؤمنين, وبقوله تعالى (والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) على أن العمى خاص بأهل الكفر, وذكر أنه لا يمكن أن يجمع بين أن يكون القرآن هداية لشخص وأن يكون عمى عليه أيضا. وخلص إلى أنه كما لا يجوز أن يكون القرآن عمى على من هداه الله به, فإنه لا يجوز أن يكون هداية لمن هو عمى عليه.

22 -واحتج عليهم بأنه كما يدعون أن دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا لمن قبل فقط فإن دعاء الله إلى الإيمان لا يكون إلا لمن قبله.

واحتج بقوله تعالى (يضل به كثيرا) على أنه لم يضل الكل. وكذلك قوله تعالى (ويهدي به كثيرا) فإنها دليل على أنه لم يهد الكل. وهو إبطال منه لقول المعتزلة: (إن الله هدى الجميع)

23 -وألزمهم على قولهم بأن الله هدى الجميع. بأن يقولوا إنه سددهم ووفقهم وأصلحهم وعصمهم وهم مخذولون.وهذا مستحيل.

24 -واستنكر قولهم: إن الله أضل الكافرين عن الكفر ومنعهم منه.مع أنهم كافرون. واستنكر قولهم (إن الله أضل الكفار لا عن شيء. وألزمهم أن يقولوا إن الله هدى المؤمنين لا إلى شيء إذ لا فرق.

25 -ورد زعمهم أن معنى قوله تعالى (ويضل الله الظالمين تسميتهم ضالين بأن هذا فاسد على سنن العرب. وأن الصحيح أن يقال:(ضل فلان فلانا) أي سماه ضالا. ولا يقال: (أضله) أي سماه ضالا. وألزمهم أن يقولوا ذلك في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس ضالين.بأن يقولوا: هو أضلهم وأفسدهم. وخلص إلى أن معنى الآية فعل الله لا تسميته وحكمه.

26 -واستدل بقوله تعالى (وأضله الله على علم ... ) وألزمهم بأحد أمرين: إما أن يقولوا أضلهم ليهتدوا وهذا تناقض. أو أضلهم ليضلوا وهو الحق. وكذلك يقال في الهداية. أهداهم ليهتدوا أو ليضلوا؟

27 -وألزمهم إن زعموا أن الله هدى الكفار فلم يهتدوا أن يقولوا: نفعهم فلم ينتفعوا, وأصلحهم فلم ينصلحوا. وأنه يضر من لا تلحقه منه المضرة وهذا محال.

28 -ورد احتجاج المعتزلة بقوله تعالى (هدى للناس وبينات ... ) على أن الهداية عامة للناس كلهم ,مؤمنهم وكافرهم. بأن الآية خاصة بالمؤمنين بدليل قوله تعالى (هدى للمتقين) ويقوله تعالى (لا يهدي القوم الكافرين) والقرآن لا يتناقض.

29 -ورد على سؤالهم أن الله قال (وأما ثمود فهديناهم, فاستحبوا العمى على الهدى) بأن قوله تعالى (فهديناهم) للمؤمنين, وقوله (فاستحبوا العمى على الهدى) للكافرين منهم.

30 -ورد شبهتهم بأن من الخير منه أفضل من الخير نفسه. وكذلك من الشر منه أقبح وشر من الشر نفسه. بأن هذا لا يلزمنا وأنه ناقض لأصل مذهبهم في قولهم: إن الله لم يخلق الشر إنما خلقه الإنسان. لأنه قالوا إن قلنا بأن من الشر منه أقبح وشر من الشر نفسه وصفنا الله بأنه أقبح من الشرور, ولذلك نفينا أن يكون الشر منه. بأن إبليس أقبح من الشرور التي هي منه.فهو شر أقبح من كل الشرور. وإبليس خلقه الله تعالى. فما قولهم في أن الله خلق شر الشرور كلها. فإن قالوا بذلك فقد نسبوا أقبح الشر إلى الله تعالى.

قلت: ولا حيلة لهم في دفع هذا إلا أن يقولوا إن إبليس خلق نفسه أو أن الإنسان خلقه!!

31 -ملاحظة: إن كان قصد الإمام في نفيه لقدرة الكفار على الإيمان قدرتهم التي هي مناط التكليف المصححة للعمل فالصحيح أنهم قادرون - وكلامه يومئ إلى مذهب الجبرية والله أعلم , وهو القول بالكسب, ومعناه أنه لا تكون للعبد قدرة إلا قدرة مقارنة للعمل غير مؤثرة. بمعنى أن الفعل يكون معها لا بها - والصحيح أنها قدرة مقارنة مؤثرة -. وإن كان يقصد القدرة المقارنة فصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت