فهرس الكتاب

الصفحة 5349 من 20085

بتحريف المصطلحات الرئيسية عن مقصودها الحقيقي، أو باختزالها في معان محدودة تفقدها شمولية مدلولها، كمصطلح: الإسلام، والجاهلية، والإله، والدين، والعبادة، والعدل، والظلم، والنفاق، والجهاد والولاء والبراء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ... إلى غيرها من المصطلحات (5) التي تعتبر أسس بناء الفكرة الإسلامية. وهذا كله قصد تحقيق إعادة تشكيل الإسلام في أذهان المسلمين وفق ثقافتهم الغربية. يقول فوكوياما:"أنا أرى أن التوفيق ممكن بين الإسلام كدين وبين الحداثة، فالإسلام يمثل دينًا ونظامًا ثقافيًا معقدًا للغاية، وقد أثبت قدرته على التوافق مع الحداثة في عدد كبير من المجتمعات والأفراد، ولا أرى هناك سببًا يمنع من وجود شكل حديث للإسلام، غير أن «نوع الإسلام» الصحيح لا يمكن أن يتفق مع الحداثة، والقضية الأساسية هي إمكانية وجود دولة علمانية تجعل الإسلام بين أربعة حيطان" (6) .

نعم شكل حديث للإسلام، لأجل إنتاج جيل عقليته مزدوجة، انتماؤه يكون للإسلام، وفكره ونظرياته ومبادؤه تكون من الغرب. جيل يقوم مقام الغرب في بلاد المسلمين يحقق له أهدافه، ويعمل لحسابه، جيل هيكله عربي لكنه منطبع بطابع غربي. جيل أكبر همه الركد وراء شهواته وشكله ومظهره، وشغله الشاغل دنياه. مشوه التصور يعتبر التفلت من أحكام الشريعة تحررا، والانضباط بأوامرها حرمانا. مشتت الفكر، لا يملك سياسة تجمع شمله، أو نهجا يوحد صفه، طابعه المميز له هو الفرقة والتناحر. هذا إسلام قومي، وذاك إسلام وطني، وثالث إسلام حداثي أو مدني، ورابع إسلام عصري، وخامس إسلام راديكالي .... هكذا وكلها تنصهر في مخطط علمنة الإسلام. أو إنشاء إسلام علماني، أو بتعبير أصح إسلام بمعايير غير إسلامية. يقول القس زويمر في خطاب تهنئته للهيآت التبشيرية المتواجدة بالعالم الإسلامي: (إنكم أعددتم بوسائلكم جميع العقول في الممالك الإسلامية، إلى قبول السير في الطريق الذي مهدتم له كل التمهيد، إنكم أعددتم نَشْأً لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده الاستعمار، لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل، فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء) (7) .

وهذا النص يكشف مدى الحقد والحسد الذي تكنه نفوس الصليبيين للمسلمين، وما تضمره صدورهم من الكيد لهم، وصدق الله العظيم (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (8) . ولقد استطاع الغرب تحقيق جزء وافر من الدمار الفكري، تطلب منه جهدا كبيرا، ووسائل كثيرة، وطاقات عدة، تمثلت في إرسال البعثات التبشيرية، وتأسيس المدارس الأجنبية، وإنشاء المراكز الثقافية، المركز التقافي الفرنسي، المركز الثقافي الإنجليزي، المركز الثقافي الأمريكي ... ، وإحداث أحزاب علمانية ووسائل إعلام، ناهيك عن التدخل السافر في برامج التعليم ومناهجه، وضغوطات الصندوق الدولي واستغلاله الفاحش للتدهور الاقتصادى لكثير من الدول الإسلامية .... إلى غيرها من الوسائل التي تفاوتت قوة شراستها في العمل على جعل الإسلام الصحيح غريبا بين أهله. ومن ثم فلا يتم نجاح كامل لأي عملية إصلاح تجود بها الأمة الإسلامية لتصحيح ما أفسده المستعمر الغادر، حتى يتم إصلاح المفاهيم أولا، وذلك بتحرير دلالة الألفاظ وضبط معانيها الاصطلاحية وفق الوضع العربي القرآني. فالنفس البشرية إذا ما أشربت فعل الشر واستلذته، فلا يمكنها هجره إلا بتغيير نظامها الفكري؛"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وحين تصحح المفاهيم، تتميز المذاهب، وتصنف أخلاط الأفكار، وتمحص الصفوف، وعندئذ يظهر الحق صافيا، ويبدو الإسلام جليا للعيان من غير التباس أو غموض، فتتحقق له وقتها - إن شاء الله - جولة جديدة. وبعد ذلك يفرح المؤمنون بتمكين الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ

(1) اللغة وبناء الذات (كتاب لأمة) العدد101 ص 121.

(2) في هذا القول عظة وعبرة لعقلاء الأمازيغ حتى يدركوا أن قضيتهم مفتعلة وما هم إلا أداة لخدمة المشروع الاستعماري.

(3) مجلة البيان العدد 178 ص 42.

(4) الهوية أو الهاوية:ص 67.

(5) محمد السطوحي، فوكوياما يتحدث إلى وجهات نظر، مجلة وجهات نظر، مارس، 2002، ص 10 وما بعدها. ش

(6) الولاء والبراء في الإسلام ص 401 تأليف محمد القحطاني.

(7) سورة البقرة الآية 217.

(8) سورة الرعد الآية 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت