فهرس الكتاب

الصفحة 5174 من 20085

ـ [السكري] ــــــــ [05 - Mar-2008, صباحًا 10:41] ـ

يتبع

وقد يحكم الأئمة على حديث ما بإعلاله بما لم تظهر لنا علته، أو يشيرون إلى علة خفية في الحديث يصعب إدراكها، فيجب حينئذ المصير إلى أقوالهم إذا اتفقوا، فإن اتفاق المحدثين على شيء يكون حجة المراسيل لابن أبي حاتم (703)

لا ينبغي لأحد مخالفتها كائنًا من كان، وأما إذا اختلفوا: فحينئذ نرجح بين أقوالهم، على مقتضى قواعدهم وطرقهم في الإعلال، ولا ينبغي لنا أن نحدث قولًا جديدًا لم نسبق إليه، فكما أن الصحابة - رضي الله عنهم - الذين عاينوا التنزيل، وكانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها أخلاقًا، فكما أنهم إذا اختلفوا في مسألة لا ينبغي لنا أن نخرج عن أقوالهم، فنحدث قولًا جديدًا، فكذلك هؤلاء الأئمة النقاد الذين عاصروا التدوين وخبروا أحوال الرواة والمرويات لا ينبغي الخروج عن أقوالهم وإحداث قول جديد، بل نقول بقولهم إذا اتفقوا، ونرجح بين أقوالهم إذا اختلفوا

ولابن حجر في هذا كلام نفيس أسوقه لفائدته في هذا الموطن، فإنه لما نقل كلام الأئمة في إعلال حديث أبي هريرة في كفارة المجلس وهو حديث مروي بإسناد ظاهره الصحة، قال:

"وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم؛ بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد"

النكت على ابن الصلاح (2/ 726)

ومما يجعلنا نسلم لهم في أحكامهم، ولا ننازعهم فيها:

أ- اطلاعهم على أحوال الرجال، بشكل لا يتسنى لنا اليوم الوقوف عليه، لاسيما مع اختلاف البيئة والعادات وطرق سير الحياة اليومية.

ب- أنهم ما قبلوا كل أحاديث الثقات، بل ردوا ما وهموا فيه، ولا ردوا كل أحاديث الضعفاء ممن خف ضبطهم، وهم في الأصل يشملهم اسم الصدق وتعاطي العلم، بل قبلوا ما حفظوه، فكيف يتساهل البعض بعد ذلك في قبول رواية الثقة مطلقًا، وإن دلت القرائن على وقوع الوهم في روايته، وعدم قبول رواية من كثر وهمه، وإن دلت القرائن على أنه حفظ.

ج- اطلاعهم على النسخ الحديثية أو الصحف أو الكتب الخاصة بحديث راوٍ معين، بحيث إذا لم يجدوا حديث الراوي في كتابه أو صحيفته دل ذلك على أنه ليس من حديثه، وأنه قد وهم عليه فيه من هو دونه، أو أنه أُدخل عليه، أو لُقِّنه، وليس من حديثه، ومثل هذا يصعب الوقوف عليه اليوم.

د- فقدان بعض أو كثير من النسخ الحديثية والمصنفات الكبار والصغار، والتي حوت كثيرًا من الطرق التي تعين على بيان وجه الصواب، ومن اطلع على علل الدارقطني مثلًا يعلم ذلك يقينًا.

هـ- كلما تأخر الزمان وامتد، كلما أصبح عندنا كم هائل من الأوهام والتصحيفات، الناشئة عن غفلة الراوة، أو قلة ضبطهم، أو عدم حفظ كتبهم عن أن يُدخل فيها ما ليس منها، أو انتقال البصر أثناء التحديث من الكتاب فيُدخل حديث في حديث ونحو ذلك، أو التغير والاختلاط بسبب الكبَر وغيره، أو التلقين، أو جمع الأسانيد المتعددة والتي روي بها متن واحد على لفظ واحد مع اختلاف ألفاظ الناقلين، أو سلوك الجادة والطريق السهل المشهور، أو من حمله التشهي على التحديث بحديث غيره ولم يسمعه، أو سرقة أحاديث الرواة، أو تفنن الواضعين في الوضع بطرق خفية، فما كان من هذا مما وقع في زمان الأئمة النقاد أو قبله؛ فإنهم بينوه بيانًا شافيًا، وميزوا الصحيح من هذا كله، لكن يبقى قسم كبير مما وقع بعد زمانهم، فلم يدركوه، ولا شك أن كثيرًا مما نعانيه اليوم من مثل هذه الطرق المحدثة لم يكن موجودًا في أيامهم، بل وقع بعد عصرهم فيأتي بعد ذلك من يغتر بظاهر الإسناد، وصلاحيته للاحتجاج أو الاعتضاد، وما هو في الحقيقة إلا سراب بقيعة!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت