فهرس الكتاب

الصفحة 4815 من 20085

الشيخ علي الحلبي ـ كما أعرفه، ويعرفه الكثيرون غيري داخل البلاد وخارجها ـ كان ـ وأدعو له أن يبقى كذلك ـ أبعد ما يكون من الولوغ في الدماء؛ دماء المسلمين، وغير المسلمين، من المعاهدين أو المستأمنين، أو الذميين ـ على حدٍ سواء ـ ذلك أن الدعوة التي تربى عليها، ونشأ من خلالها، وقضى فتوته وشبابه، وها هو قد دلف إلى كهولته وهو يدعو إليها، دعوة علمية شرعية بحتة، لا تخوض في (سياسات العصر) التي قال فيها شيخنا الألباني من قبل مقولَتَهُ الصادِقَةَ الرائِعَةَ: «من السياسة ترك السياسة» : السياسة العصرية التي لا تعرف عدوًا دائمًا، ولا صديقًا دائمًا، ناسفةً قواعد وعقيدة الولاء والبراء من جذورها.

الشيخ علي الحلبي ـ وقد أَخْتَلِفُ معه في بعض وجهات النظر والتطبيق ـ كَتَبَ ولا زال يكتبُ ما يوضح لهذه الأمة منهج حياتها، ومستقبل أيامها، وِفقَ ما يراه من فهم سليم، مستقيم، على منهج السلف الصالح، في فهم النصوص الشرعية، عقيدةً، وفقهًا، ومنهجًا، وسلوكًا، مُسْتَقِيًَا ذلك كله من أصول أصيلة في نفسه، وفقهه، ومنهجه، ولا أظنه ـ لجزء من الثانية ـ يَنْجَرُّ خلف سياسات يعلمُ ـ هو وغيره ـ أنها تطبخُ وتُجهزُّ من وراء الحدود، وبغير أيدي حامليها، ومن يُتَوَهَّمُ أنهم أصحابُها، فيفتي لهذا الطرف أو ذاك بما يتوافق مع مصالح هذا الطرف أو ذاك من مصالح حزبية ضيقة.

والشيخ الحلبي ـ حفظه الله، وسدده وهداه ـ عاش حياته ـ ولا يزال ـ يكافح، ويناضل، ويجاهد، في دحض الحزبية المقيتة، والتنفير منها، والدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية ـ فضلًا عن وحدة الشعب العربي الواحد ـ ناهيك عن دعوته لوحدة الشعب الفلسطيني المنكوب؛ النكبات تلو النكبات، والمنكوس؛ النكسات تلو النكسات على أيدي بعض أبنائه الحزبيين من محبي الزعامة، والوجاهات، وغيرهم من أصحاب المصالح والمطامع الضيقة، على حساب أبناء جلدتهم، وشعبهم، أو على أيدي أعدائه من يهود وصهاينة محتلين غاصبين.

لا أظن ـ بحال ـ أن الشيخ ـ سدده الله، ووفقه لهداه ـ أفتى، أو يفتي، أو سيفتي، لأمثال هؤلاء الأدعياء، بالكلام في واحد من زعماء الشعب والأمة، فضلًا عن قتله، أو اغتياله، أو ـ حتى ـ الخروج عليه، وقتاله، ولا أظن ذلك إلا فبركة من هذا الطرف أو ذاك، للطعن في ذات الشيخ نفسه، للوصول بذلك إلى الطعن في الدعوة السلفية النقية التي يحملها الشيخ أولًا، ثم ظنًا منهم ـ خطأً، أو جهلًا، أو كليهما ـ أن الشيخ وحده يُمَثِّلُ هذه الدعوة المباركة، ويرمز إليها، ناسين أو متناسين أن الدعوة ضاربة بجذورها في أعماق أمتنا، وأرضنا، وشعبنا، وأن الشيخ ما هو إلا حلقة من حلقات سلسلتها المباركة، وأنه مع إخوانه ـ وبدونهم ـ يذود، ويذودون عن حماها في ميدان رشقها بالاتهامات والأكاذيب من هنا وهناك.

وأعتقد جازمًا أن هذه (الدعوى) الكاذبة على الشيخ إنما أرادها مطلقوها ليوقعوا بين الشيخ ودعوته من جهة، وبين إخوانهم من أبناء الشعب الفلسطيني الواحد سواء في حماس، أو في فتح، أو في سائر الفصائل الفلسطينية المقاومة منها، والمسالمة من جهة أخرى، ناسين أو متناسين أن اختلاف وجهات النظر بين السلفيين ـ والذين أراد هؤلاء المدعون أن يجعلوا من الشيخ الحلبي رمزًا لهم ـ وبين إخوانهم من أبناء الشعب الفلسطيني خاصة، والأمة العربية والإسلامية عامة، هو اختلاف في وجهات نظر يعذر بعضنا بعضًا فيه، وليس له حلٌ سوى الحوار، والنقاش، {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ولا يوقع عداوة بين الناس.

وأما خلافنا واختلافنا وصراعنا المصيري والعقدي ـ والذي نتفق فيه وعليه مع سائر إخواننا المقاومين، والمسالمين ـ خلاف، واختلاف، وصراع مع العدو المغتصب المحتل؛ من يهود وصهاينة، جُلبوا من جميع أصقاع الأرض ليقتلعوا منها جذورنا الممتدة امتداد الزمان، والمكان، وليزيلوا ـ من خلال مثل هذا الإيقاع بين أبناء شعبنا وأمتنا، وبين علمائهم ودعاتهم ـ الثقة والمحبة التي لا زلنا ـ وسنبقى ـ نحملها لعلمائنا، ودعاتنا، ومقاومينا، ومجاهدينا، وحتى للمسالمين منهم، طالما أنهم يسعون بصدق وإخلاص لصالح شعبهم وأمتهم ودينهم، وإن ما نُسبَ إلى الشيخ ـ زورًا وبهتانًا ـ لن يزيده إلا تمسكًا بمثل هذه العقيدة، وتلك الدعوة التي تجمع ولا تفرق، وتنصر ولا تخذل، وتصلح ولا تفسد، وتهدي ولا تضل، وتقوي ولا تضعف، وتبني ولا تهدم، وتحمي ولا تقمع.

فليمض الشيخ الحلبي في دعوته، وليوقن الأخوة في حماس، وفتح، وسائر الفصائل الفلسطينية، أن الصراع بيننا وبين عدونا ـ لا بيننا ـ يجب أن يبقى هو الوسيلة، لدحض شبهه وافتراءاته، وكشف دسائسه ومؤامراته، وعدم الانسياق خلفها، والعمل على رص الصفوف وتوحيدها على التوحيد، والمتابعة، ومحاربة البدعة المفرقة، حتى النصر والتحرير، وهما قادمان بإذن الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت