وأصبحنا مكرهين على تحمله وأدائه , وإنما انتقلت إلينا هذه النزعة , نزعة التسليم من مشايخ
الطرق , فقد كانت مسيطرة على مجالسهم وخلواتهم , كانوا يأخذون أتباعهم فيما يأخذونهم به من
أصول التربية , بتحقيق معناها من أنفسهم , ليرضوهم بها على الطاعة العمياء لهم , ومن كلماتهم
التي سارت مثلًا (سلم تسلم) و (سلم للرجال في كل حال) "."
وزيادة على ما تقدم , فإن كتب الفقه المذهبي إنما تعنى بإثبات وتقل ما ينبغي أن تكون به الفتوى
في مذهب ما , وليس بلازم أن كل ما في مذهب من المذاهب هو الصواب.
فمثلًا صاحب المختصر الشيخ خليل - رحمه الله - وغيره ممن نحا نحوه لم يكونوا فيما جمعوا
مؤلفين مستقلين , بل كانوا جامعين لما به الفتوى في كل مذهب , وكان مجال نحركهم - رحمهم
الله - محدودًا , إذ لا يتعدى غالبًا الاختيار من بين الأقوال التي في المذهب , حسب شهرتها أو
اختيار بعض العلماء لها انطلاقًا من المدونة الكبرى , وغيرها من الأمهات عند غيره , وما ذكره
شراحها , ثم ما رجحه العلماء المعتبرون عند المؤلف , ولم يجز الشيخ خليل لنفسه أن ينهج نهج
الترجيح , كما فعل في كتابه التوضيح , وإنما اكتفى بذكر ترجيح غيره من المتقدمين.
قال الحطاب - رحمه الله - عند قول خليل"و حيث ذكرت قولين أو أقوالًا , فذلك لعدم اطلاعي في"
الفرع على أرجحية منصوصة لغيره من تشهير , أو تصويب , أو اختيار ,ذكر القولين أو الأقوال ,
, واحترز بقوله (منصوصة) مما إذا ظهر له ترجيح أحد الأقوال , ولم يرد ذلك منصوصًا , فإنه
يرجح ما ظهر له تورعًا منه رحمه الله , , , بخلاف التوضيح فغنه يشير إلى ما ظهر له بالخاء"."
وقد بين الشيخ خليل في مقدمة كتابه منهجيته , حيث اعتمد على المدونة , وما قاله شراحها ,
وتأويلاتهم لبعض نصوصها و كما اعتمد على اختيارات ةترجيحات أربعة من العلماء , وهم علي بن
محمد الربعي المعروف باللخمي (ت: 478) , ومحمد بن علي بن يونس (ت: 451) , ومحمد بن
أحمد أبو الوليد (ت: 520) , ومحمد بن علي المازري (ت: 536) , - رحمهم الله - وقد يذكر
أقوال غيرهم , ثم إنه صاغ كل ذلك ضياغة محررة دقيقة , بدون حشو ولا إطناب , حتى وصلت
في بعض المواضع حد الإلغاز , فاحتاج إلى التبسيط بالشرح.
واهل العلم يفرقون بين موقفهم وهم يقررون كلام غيرهم ومذهبه , وبين تصديهم للمسائل
يعرضونها على الأدلة فيرجحون ويقارنون , أو ينظرون في الأدلة أولًا فيستنبطون , ولهذا تجد
العالم في بعض تآليفه مجرد ناقل جامع , وقد لا يفرق وهو في غمرة النقل , بين الصحيح والسقيم
, وتجد العالم نفسه في تآليف أخرى مجتهدًا ناقدًا مرجحًا , وهذا ملحوظ في كثير من العلوم , خذ
مثلًا علم الرجال , واعتبر بالحافظ بن حجر في كتابه تهذيب التهذيب فهو فيه على غير ما هو عليه
في كتابه - التقريب - , وانظر إلى ابن عبد البر في الاستذكار , فإن موقفه فيه ليس كموقفه في
كتابه (الكافي في فقه أهل المدينة) , وهذه المسألة من لم يحط به خُبرا , أو شك أن لا يعرف للعالم
منزلته , وقد يؤدي به الأمر إلى الإزراء به من حيث لا يدري , وإن كان منهج حكاية الأقوال
المصحوب بالنقد متى كان لا زما هو المقدم.
والله تعالى أعلم.
ـ [أبو عبيد] ــــــــ [28 - Jan-2008, مساء 11:33] ـ
شكرا لك ... بارك الله فيك ...
تقبل مروري اخي في الله