وبهذا يتبين: أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يُحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر (5) .
وربما يطلقون بعض الاصطلاحات على غير معناها المتقرر والمتعارف عليه؛ كمصطلح (الحسن) ، فإن بعض أهل العلم يستعمله في موضع (الغريب) أو (المنكر) على عكس معناه المتقرر، والذي يقتضي ثبوت الحديث.
وقد قال إبراهيم بن يزيد النخعي: «كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يُخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسن ما عنده» .
قال الحافظُ الخطيبُ البغداديُّ شارحًا له (6) : «عَنَى إبراهيم بالأحسن: الغريبَ؛ لأن الغريب غير المألوف يُسْتَحْسَن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة» .
ـ «شرائطُ الكُتب» :
إن أئمة الحديث ـ عليهم رحمة اللَّهُ تعالى ـ لم يصنفوا هذه الكتب الحديثية جُزَافًا، بل كل مصنّفٍ لهم لمصنّفه فيه شرط التزمه، وغاية نشدها؛ فكان إخراج الحديث في مصنف ما، على وجه ما، كالإشارة من مصنّفه إلى حال هذا الحديث عنده.
ومن هنا؛ ندرك الخطأ الذي يقع فيه بعض الباحثين؛ حيث يخرجون الحديث من كتب متعددة، غير ملتفتين إلى الفائدة التي أسْدَاها إليهم صاحب الكتاب بإخراجه الحديث فيه.
فدلالة الاحتجاج بالحديث في (الصّحيحَين) على صحته، وتلقي العلماء له بالقبول؛ حيث لا يكون ثَمّة تعقب من بعض الحفاظ؛ لا ينبغي أن تهمل، بل على الباحث الاستفادة من هذه الدلالة، وتلك الفائدة، فلا يعامل أحاديث (الصّحيحَين) معاملته لغيرها.
ودلالة إخراج الحديث في كتب الأصول، كالسّنن الأربعة و (الموطأ) و (المسند) لأحمدَ ـ أيضًا ـ لا ينبغي إهمالها.
بل من أهل العلم من يرى أن من علامات ضعف الحديث خُلُوّ هذه الكتب منه (7) .
وإخراج الحديث في ترجمة راويه المتفرد به في كتب الضعفاء مثل: (الكامل) لابن عدي، و (الضّعفاء) للعقيلي، و (المجروحين) لابن حبّانَ ـ يدل على ضعف الراوي دلالة واضحة جلية؛ لأن هؤلاء الأئمة إنما يخرجون في ترجمة الرّاوي بعض أحاديثه المنكرة؛ ليستدلوا بذلك على ضعفه، فكانت هذه الأحاديث، من هذه الأوجه، عند هؤلاء المصنّفين غاية في النّكارة؛ حيث إنهم لم يضعفوها فحسب، بل استدلوا بها على ضعف راويها المتفرد بها.
وقد قال ابنُ عديّ في مقدّمة كتابه (8) : « ... وذَاكرٌ لكل رجل منهم مما رواه ما يُضَعّف من أجله، أو يَلْحَقه بروايته له اسم الضعف؛ لحاجة الناس إليها» .
وقال الحافظ ابنُ حَجَرٍ (9) : «من عادة ابن عدي في الكامل، أن يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة، أو على غير الثقة» .
وكثيرًا ما يتبرّأ ابن حبّان في (المجروحين) من تلك الأحاديث التي يخرجها في كتابه، ويصرح بأنه ما دفعه إلى إخراجها إلا الرغبة في بيان الضعفاء وبيان أحاديثهم المنكرة.
يقول في المقدّمة (10) : «وإنما نُمْلِي أسامي من ضُعّفَ من المحدّثين، وتَكَلّم فيه الأئمة المرضيون ... ونذكر عند كل شيخ منهم من حديثه ما يُستدل به على وَهَنِه في روايته تلك» .
ويقول أيضًا (11) : «وإني لا أحل أحدًا روى عني هذه الأحاديث التي ذكرتها في هذا الكتاب إلا على سبيل الجرح في روايتها على حسب ما ذكرنا» .
وكرر هذا المعنى في غير ما موضع من كتابه (12) .
ــــــــــــــــ [الهوامش] ــــــــــــــــ
(1) (( الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع ) )، (2/ 257) .
(2) في علل الحديث، (1879) .
(3) راجع: كتاب: (( الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ) )، (ص 69) لطارق بن عوض اللَّه بن محمّد.
(4) انظر: (( الكفاية ) )، ص 232، و (( المجروحين ) )، 1/ 79، و (( الإرشادات ) )، ص 22 ـ 23، و (شرح علل الترمذي) ، 1/ 399 ـ 401، 2/ 569 ـ 570.
(5) مقدمة (( الفوائد المجموعة ) )للشيخ المعلمي اليماني، ص 708.
(6) في (( الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ) )، 2/ 101، وانظر: كتابي: (( الإرشادات في تقوية الأحاديث بالشواهد والمتابعات ) )، ص 135 ـ 150.
(7) انظر: (( الموضوعات ) )لابن الجوزي (1/ 141) و (( الصارم المنكي ) )، ص 68، و (( نصب الراية ) )، 1/ 355 ـ 356، 2/ 480، و (( تدريب الراوي ) )، 1/ 277، و (( ألفية الحديث للسيوطي ) )، ص 84.
(8) (1/ 15 ـ 16) .
(9) (( هدي الساري ) )، ص 429.
(10) (1/ 94 ـ 95) .
ـ [ابومحمد البكرى] ــــــــ [14 - Jan-2008, صباحًا 10:32] ـ
بارك الله فيك ...
ـ [سلمان أبو زيد] ــــــــ [14 - Jan-2008, مساء 01:00] ـ
الأخ المكرّم / أبا مُحمَّد البكرى:
جزاكم اللَّهُ خيرًا،وبارك فيكم.