فهرس الكتاب

الصفحة 3768 من 20085

سيقول قائل: وهل تبغي من حديثك هذا أن يكون باب النقد والنصح لكل مسلم مقفلًا؟

والجواب عن سؤال كهذا أن يقال: نحن مع النقد البنَّاء، ومع النصح الهادف، ومع توضيح الأخطاء سواء كان من وضَّح الخطأ صغيرًا أو كبيرًا، ورحم الله ـ تعالى ـ الإمام ابن تيميَّة حين قال: (ولهذا يسوغ بل يجب أن نبين الحق الذي يجب اتِّباعه وإن كان فيه بيان مَنْ أخطأ مِنَ العلماء والأمراء) مجموع الفتاوى: (19/ 123) .

وهكذا كتب الحافظ ابن رجب، فقال في كتابه (الفرق بين النصيحة والتعيير) ، حين كان يتحدَّث عمَّن يبيِّن الخطأ ويوضِّح وجه الصواب، حيث قال: (فإن كان مقصوده في ذلك مجرد تبيين الحق ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته، فلا ريب أنه مثاب على قصده ودخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم، وسواء كان الذي بيَّن الخطأ صغيرًا أو كبيرًا) وهذا كلام نفيس!

إذن نتفق سويًا أنَّ القصد ليس بمن يريد أن يوضح الخطأ، أو يبين القول الصواب والحق، فإنَّ هذا أمر لا غبار عليه، بل قد يجب كما قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة!

بيد أنَّه من أخلاق المسلمين بعامة, والعلماء والدعاة منهم بخاصة, الإنصاف؛ بذكر المحاسن والإيجابيات حتى في الخصوم , بل والكافرين؛ فكيف بالمسلمين؛ وهم يخوضون المحاولات للنهوض والظفر! مجتهدين في أمثل الطرق, متحرين للصواب والحق؟ أمَّا أن ينتقل الأمر إلى مسبَّة أي جهد إسلامي، والتهوين من أي عمل يراد به نصرة الله تعالى، بحجج واهية وغير موضوعيَّة، فهذا مما ينبغي ألاَّ يفعله عاقل فضلًا عن مسلم!

ونحن نقول لهؤلاء: تفضلوا واقتحموا الميدان، ونحن من خلفكم مشجِّعين، ولكم مؤيدون إن كان عملكم لا يخرج عن ضوابط المنهج الإسلامي، فأتونا بما ينصر حقَّنا، ويغيظ عدونا، ويهزم الباطل وأهله.

• نماذج من الإساءة لجهود الآخرين:

أتذكر أنَّه حين قامت (الحملة العالمية لمقاومة العدوان) قام ثلَّة من بعض الإخوة المتحمِّسين لدينهم فقالوا الأقاويل وكتبوا الردود، وكانت من قبيل: ما فائدة هذه الحملة؟ وما جدواها، ونحن نعيش في زمن الاستلاب الحضاري والفكري! وقد تضمَّنت تلك الأقاويل والردود قدرًا كبيرًا من التحقير والتهوين من شأن هذه الحملة المباركة، التي لو لم يكن لها دور إلاَّ جمع العلماء وأهل الفكر والرأي بل من يختلفون في المنهج ليقولوا للعالم الغربي: لا لاحتلالكم ديار الإسلام، وسنقاومكم إعلاميًا وشعبيًا ونخبويًا، لو لم يكن من جهد لهذه الحملة المباركة إلاَّ هذه لكفى؛ فكيف وقد كان لها دور في صناعة محاضرات علمية، وندوات فكرية، ومواقع إلكترونية، ومؤتمرات عالمية فضحت فيها أساليب الطغيان الأمريكي ومن عاونهم من شلل الزنادقة والمنحلِّين!

أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم * أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا

ولقد تألَّمتُ يومًا حين كنت جالسًا بعد صلاة التراويح في رمضان المبارك، وكنت في مسجد يحتشد فيه جمع من المصلين، وقام بعض الدعاة الذين يشتغلون في دعوة الجاليات، كان معهم قرابة تسعة أشخاص من غير المسلمين، ليعلنوا دخولهم في دين الإسلام أمام الناس، وحين أعلنوا إسلامهم، وسُرَّت وجوه المحبِّين لهذا العمل الجليل، قام شخص ينتسب للعلم والدين والفضل ـ ولا أقلِّل من شأن علمه وفضله ـ وقال أمام الناس: من المهم قبل أن يدخل الناس في دين الإسلام أن نقوم بتحصين المسلمين بإسلامهم، قبل أن نهتم بدعوة غيرهم إلى الإسلام، بل إنَّ بعضهم يدخل الإسلام ثمَّ يرتد عنه!

قال هذا أمام جمع من المسلمين، وأمام ثلَّة من حديثي المسلمين، والأنكى من ذلك أن يقوم متحدثًا بطريقة فيها نوع استفزاز، وعدم شعور بمشاعر أولئك المسلمين حديثًا، أو الذين منَّ الله عليهم بإسلام هؤلاء على أيديهم، ونالوا أجر ما جاء في الحديث الشريف القائل: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمُر النَّعم) ، وفرق أي فرق بين هذا التحفيز والتشجيع على دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وبين تحطيم جهود الآخرين وهم يقومون بذلك بحجَّة النقد!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت