أما حديث أنس فهو: -31 {أقيموا صفوفكم وتراصوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري} . رواه البخاري (2/ 176 - طبعة بولاق) وأحمد (3/ 182و263) والمخلِّص في"الفوائد" (1/ 10/2) من طرق عن حميد الطويل: ثنا أنس بن مالك قال:"أقيمت الصلاة؛ فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه؛ فقال: (فذكره) "زاد البخاري في رواية:"قبل أن يكبر".
وزاد أيضًا في آخره:"وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه".
وهي عند المخلِّص، وكذا ابن أبي شيبة (1/ 351) بلفظ:."قال أنس: فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه؛ فلو ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شموس"وسنده صحيح أيضًا على شرط الشيخين. وعزاها الحافظ لسعيد بن منصور والإسماعيلي.
وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله:"باب: إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف".
وأما حديث النعمان فهو:
-32 {أقيموا صفوفكم-ثلاثًا- والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم} أخرجه أبو داود (رقم:662) وابن حبان (396) وأحمد (4/ 276) والدولابي في"الكنى" (2/ 86) عن أبي القاسم الجدلي حسين بن الحارث قال: سمعت النعمان بن بشير يقول:"أقبل رسول صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال: (فذكره) "..
قال:"فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكبه صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه".
قلت: وسنده صحيح، وعلقه البخاري مجزومًا به، ووصله ابن خزيمة أيضًا في"صحيحه" (1/ 82 - 83) وأقره المنذري في"الترغيب" (1/ 176) والحافظ في"الفتح" (2/ 176) ومن طريق ابن خزيمة أخرجه ابن حبان في"صحيحه" (114/ 396 - موارد) .
وفي هذين الحديثين فوائد هامة:
الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها؛ للأمر بذلك، والأصل فيه الوجوب؛ إلا لقرينة؛ كما هو مقرر في الأصول، والقرينة هنا تؤكد الوجوب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: {أو ليخالفن الله بين قلوبكم} فإن مثل هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب كما لا يخفى.
الثانية: أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب، وحافة القدم بالقدم؛ لأن هذا هو الذي فعله الصحابة-رضي الله عنهم- حين أُمِروا بإقامة الصفوف والتراص فيها، ولهذا قال الحافظ في الفتح بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس:
"وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته".
ومن المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون، بل أضاعوها، إلا القليل منهم؛ فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث! فإني رأيتهم في مكة سنة: (1368هـ) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام، بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة -لا أستثني منهم حتى الحنابلة- فقد صارت هذه السنة عندهم نسيًا منسيًا، بل إنهم تتابعوا على هجرها والإعراض عنها.