أما الأمر: فإن الأصوليين ذكروا من صوارف صيغة الأمر عن الوجوب إلى الندب، أن يكون الأمر واردًا في باب الأدب، كقوله تعالى: {وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة:237] ، ومثَّل له العلماء أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بيمينك، وكل مما يليك) . ولا شك أن الأكل باليمين داخل تحت الأدب.
قال الإمام ابن عبد البر في الاستذكار (5/ 288) : وأصل النهي أن تنظر إلى ما ورد منه وطرأ على ملكك أو على ما ليس في ملكك، فما كان منه واردًا على ملكك فهو يمين آداب وإرشاد واختيار، وما طرأ على غير ملكك فهو على التحريم، وعلى هذا ورد النهي في القرآن والسنة.
ثم قال: والاستنجاء باليمين دون الشمال والأكل بالشمال دون اليمين .. فهذا كله وما كان مثله نهي أدب وإرشاد لأنه طرأ على ما في ملك الإنسان، فمن واقع شيئًا من ذلك لم يحرم عليه فعله. اهـ
وأما التشبيه بالشيطان فلا يفيد الحرمة، فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بأن المجلس بين الظل والشمس مجلس الشيطان. رواه أحمد.
وأخبرنا صلى الله عليه وسلم في أمر القيلولة بقوله: قيلوا فإن الشيطان لا يقيل. رواه الطبراني في الأوسط، وصححه بعض المحدثين بتعدد طرقه وإن ضعفه البعض الآخر.
وفي سنن ابن ماجه: وليعط بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله. قال المنذري: إسناده صحيح. وصححه المناوي.
ولا أعلم قائلًا بوجوب القيلولة، والجماهير من العلماء على عدم وجوب المناولة باليمين، إلى غير ذلك.
وأما دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على من أكل بالشمال، فقيل في الجواب عنه أجوبة من ذلك:
الجواب الأول: أ ن الرجل كان منافقًا، بدليل رده أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرًا واستعلاءً، فالدعاء عليه لنفاقه الباعث له على التكبر على حكم الشرع. جزم بذلك القاضي عياض.
ويتفق أهل العلم و النظر على أن من ترك سنة من سنن الشريعة تكبرًا عليها، وازدراء لها أنه قد انحط إلى دركة بعيدة، ولا يكون حاله كحال من ترك سنة من السنن تكاسلًا وتفريطًا.
الجواب الثاني: أن الدعاء عليه لمخالفة الحكم الشرعي عمومًا، جزم بذلك الإمام النووي، ولا يلزم أن يكون الدعاء على ترك الواجبات أو فعل المحرمات.
الجواب الثالث: أن الدعاء عليه لكبره. قال المناوي في فيض القدير: ودعاؤه على الرجل إنما هو لِكِبْرِهِ الحامل له على ترك الامتثال. اهـ كما هو مبين في قول الراوي: (ما منعه إلا الكبر) ، ولا يلزم على هذا الجواب أن يكون الرجل منافقًا، إذ الكبر كبيرة لا تخرج صاحبها من الإسلام.
تنبيه: نصُ الشافعي رضي الله عنه على إثمِ من ترك الأكل مما يليه محمولٌ على حالة يتأذى فيها الأكلة بذلك، كما نص على ذلك الإمام جلال الدين المحلي في شرح جمع الجوامع.
والله من وراء القصد
حرر بتاريخ 12/ جمادي الأولى/ 1424هـ
ـ [معاند] ــــــــ [18 - Sep-2007, مساء 11:57] ـ
شكرا لكل من علق على الموضوع .. الإخوة الأكارم يبدو أن الموضوع أخذ منعطفا جديدا و هو حكم الأكل باليمين .. و من أراد النقاش في مثل هذا الموضوع فليتفضل مشكورا غير مأمور بأن يفتح موضوع جديد ..
سؤالي إذا سمحتم ..
ما أعرفه أن الأصل في الأمر أنه للوجوب
ولايجوز صرفه عن الوجوب إلى الندب إلا بدليل أو قرينة
ما هو الندب؟ و ما هي القرينة؟
زادكم الله علما ورفع قدركم.
ـ [عاطف إبراهيم] ــــــــ [20 - Sep-2007, صباحًا 09:50] ـ
سؤالي إذا سمحتم ..
ما هو الندب؟ و ما هي القرينة؟
زادكم الله علما ورفع قدركم.
الندب - أخي الفاضل - هو الاستحباب ويعني: طلب الشارع للفعل والحث عليه بحيث يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه
كالأمر بصلوات النافلة مثلًا والأمر بالنوم في القيلولة فالنائم استجابة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم مثاب إن شاء الله ومن لم ينم القيلولة فلا حرج عليه
وأما القرينة فهي العلامة أو الدليل يشير إلى المقصود أو يدل على الشيء
ومثال ذلك الأمر بالوتر، في قوله صلى الله عليه وسلم:
يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر.
فقد ثبتت القرينة المفيدة لصرفه عن الوجوب حيث دل حديث آخر على أن الصلوات لا يجب منها غير الخمس،
وذلك في حديث الرجل الذي جاء يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع.
فهذا نص في أنه لا يجب من الصلوات غير الصلوات الخمس لا وتر ولا غيره.
وبارك الله فيكم