ومن القائلين بهذا الإمام مالك والشاطبي والطرطوشي. ومن الحنفية: الإمام الشمني، والعيني. ومن الشافعية: البيهقي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي. ومن الحنابلة: ابن رجب، وابن تيمية.
وأوضح تعريف يمثل هذا الاتجاه هو تعريف الشاطبي، حيث عرف البدعة بتعريفين:
الأول أنها:
طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.
وهذا التعريف لم يدخل العادات في البدعة، بل خصها بالعبادات، بخلاف الاختراع في أمور الدنيا.
الثاني أنها:
طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.
وبهذا التعريف تدخل العادات في البدع إذا ضاهت الطريقة الشرعية، كالناذر للصيام قائما لا يقعد متعرضا للشمس لا يستظل، والاقتصار في المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة.
واستدل القائلون بذم البدعة مطلقا بأدلة منها:
(أ) أخبر الله أن الشريعة قد كملت قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} فلا يتصور أن يجيء إنسان ويخترع فيها شيئا؛ لأن الزيادة عليها تعتبر استدراكا على الله سبحانه وتعالى. وتوحي بأن الشريعة ناقصة، وهذا يخالف ما جاء في كتاب الله.
(ب) وردت آيات قرآنية تذم المبتدعة في الجملة، من ذلك قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}
(ج) كل ما ورد من أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في البدعة جاء بذمها، من ذلك حديث العرباض بن سارية: {صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة} رواه أبو داود و لباقى أصحاب السنن و أحمد مثله و صححه الألباني.
(د) أقوال الصحابة في ذلك، من هذا ما روي عن مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجدا، وقد أذن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد، وقال:"اخرج بنا من عند هذا المبتدع"ولم يصل فيه.
يتضح مما سبق أننا بصدد إتجاهين الأول أن البدعة فيها ما هو مباح بل و واجب و الإستدلال بحديث"من سن في الإسلام سنة حسنة"و قول عمر بن الخطاب"نعم البدعة"لإقامة صلاة التراويح جماعة و الإتجاه الثانى بأن البدع كلها محرمه و الإستدلال بحديث"كل بدعة ضلالة".
أقول إن مقارنة الأمثلة التى إعتمد عليها كل فريق و فهم الأحاديث الواردة في هذا الشأن في إطارها الصحيح هو هام لإستنباط ما هى البدعة المذمومة شرعا.
قبل البحث في أدلة الفريقين يجب التأكيد على قاعدة أصولية هنا و هى أن في الأحكام الشرعية العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و بذلك فإن معرفة سبب نزول بعض الآيات و ورود بعض الأحاديث لا يؤثر في الحكم الذى جاءت به ولا يقيدها بسبب النزول بل الحكم يكون عاما إلا ما خصص بنص آخر من الكتاب و السنة و لكن في بعض الأحيان معرفة مناسبة النص تفيد في فهم المصطلحات التى جاءت فيه فاللفظ في اللغة العربية في بعض الأحيان قد يحتمل أكثر من معنى و للوقوف على المعنى المراد ينبغى قراءة النص في سياقه الصحيح مع ما قبله أو بعده أو معرفة المناسبة التى قيل فيها خصوصا إذا تشابه هذا النص مع آخر و حصل بعض الإشكال في فهم المراد منه كما هو الحال في أمر البدعة و السنة الحسنة.
الأمر الآخر الذى يجب التننويه إليه هو قول أو فعل الصحابة خصوصا الخلفاء الراشدين هل هو يعتبر حجة أم لا
و أجد ملخصه في فتوى شيخ الإسلام بن تيمية - المجلد الأول:
(يُتْبَعُ)