-أورد الإمام الذهبي (ت748هـ) ـ رحمه الله ـ في سير أعلام النبلاء (4/ 434) في سيرة عروة بن الزبير بن العوام ـ رضي الله عنهما ـ قول ابن خلكان:
قال: كان أحسن من عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: (والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أرب في السعي، وتقدَّمَك عضوٌ من أعضائك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض إن شاء الله تعالى، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء، من علمك ورأيك، والله ولىُّ ثوابك، والضمين بحسابك) .
-وفي الدرر السنية في الأجوبة النجدية (5/ 163 - 166) قال الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ـ رحمه الله ـ في تعزيته لبعض إخوانه:
(المأمول فيكم الصبر والاحتساب، والتعزي بعزاء الله ـ تعالى ـ، فقد قال بعض العلماء: إنك لن تجد أهل العلم والإيمان إلا وهم أقل الناس انزعاجًا عند المصائب، وأحسنهم طمأنينة، وأقلهم قلقًا عند النوازل، وما ذاك إلا لما أوتوا مما حرمه الجاهلون، قال الله تعالى: {بَشِّرِ الصَّابِرِينَ 155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(9) ، فهذه الكلمة من أبلغ علاج المصائب، وأنفعه له في العاجلة والآجلة.
فإنها تضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلى عن مصيبته؛ أولًا: أن العبد وأهله وماله وملكه لله ـ تعالى ـ يتصرف فيه، حيث جعله تبارك وتعالى عند عبده عارية، والمعير مالك قاهر قادر، وهو محفوف بعدمين، عدم قبله، وعدم بعده، وملك العبد متعة معارة؛ الثاني: أن مصير العبد ومرجعه ومرده إلى مولاه الحق، الذي له الحكم والأمر، ولا بد أن يخلف ما خوله في هذه الدار وراء ظهره، ويأتي فردًا، بلا أهل ولا مال ولا عشيرة، ولكن بالحسنات والسيئات، ومن هذا حاله لا يأسف على مفقود؛ وإذا علم المؤمن علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هانت عليه المصيبة؛
وقد قيل:
ما قد قضى يا نفس فاصطبري له ... ولك الأمان من الذي لم يُقدر
وتعلمي أن المقدر كائن ... يجري عليك عذرت أم لم تُعذر
ومن صفات المؤمن: أنه عند الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور؛ ومما يخفف
المصائب برد التأسي، فانظروا يمينًا وشمالًا، وأمامًا ووراء، فإنكم لا تجدون إلا من قد وقع به ما هو أعظم من مصيبتكم أو مثلها أو قريب منها، ولم يبق إلا التفاوت في عوض الفائت، أعوذ بالله من الخسران، ولو أمعن البصير في هذا العالم جميعه، لم يرَ إلا مبتلى إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام ليل، أو كظل زائل، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرت يومًا أساءت دهرًا، جمعها إلى انصداع، ووصلها إلى انقطاع، إقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم نزاله، حالها انتقال، وسكونها زوال، غرارة خدوع، معطية منوع، ملبسة نزوع، ويكفي في هوانها على الله: أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
مع أن المصائب من حيث هي رحمة للمؤمن، وزيادة في درجاته، كما قال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا الآخرة مفاليس، والرب سبحانه لم يرسل البلاء إلى العبد ليهلكه، ولا ليعذبه، ولكن امتحان لصبره ورضاه عنده، واختبارًا لإيمانه، وليراه طريحًا ببابه لائذًا بجنابه، منكسر القلب بين يديه؛ فهذا من حيث المصائب الدنيوية؛ وأما ما جرى عليكم، فأنتم به بالتهنئة أجدر من التعزية، ولعمر الله أن من سلم له دينه، فالمحن في حقه منح، والبلايا عطايا، والمكروهات له محبوبات، وأما المصيبة والخطب الأكبر، والكسر الذي لا يجبر، والعثار التي لا تقال، فهي المصيبة في الدين،
كما قيل:
من كل شيء إذا ضيعته عوض ... وما من الله إن ضيعته عوض
وقد مضت عادة أحكم الحاكمين لمن أراد به خيرًا، أن يقدم الابتلاء بين يديه).
-وجاء في كتاب سير أعلام النبلاء (4 - 534) كان بكرُ بنُ عبد الله المزنيُ رحمه الله تعالى يقول:"إني لأرجو أن أعيش عيش الأغنياء، وأموت موتَ الفقراء؛ فكان رحمه الله كذلك، يلبسُ كسوته، ثم يجيء إلى المساكين، فيجلسُ معهم يحدثهم ويقول: لعلهم يفرحون بذلك."