قالوا سنذهب بكِ الشيخ الفلاني والبلد ذاك ونذهب بك هنا وهناك ... فما هم إلا خناجر تطعنني إذ أذكر حبس ابن تيمية وأقول: وما يصنع الناس بي والنّار هاهنا بصدري حرقة! .. والله لو وضعتموني بجنة في الأرض مازادني ذاك إلا نارًا على نار! والنسيم العليل بها يذكرني ببرد الجنة فما هو على جلدي إلا كلفح جهنّم (لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا * إلا حميمًا وغسّاقًا) , وليلها يمثّل أمامي ظلام قبر ... وكأنّي بإبليس فرِحٌ بي مستبشر بحزني وروعي!
وليلةً ضاقت حتى سألتُ من حولي: أيا فلانة وفلانة وفلانة لو كان شفائي بأيديكن أكنتن تمسكهنّ عنّي وأنا أسألكن إيّاه؟
قلن: لا.
فأجبت: والله ما أُحبُّ أن يكون الأمر بأيديكن إذن .. هو بيدِ الله أحبّ إلي من أن يكون بأيديكن.
وقربةً إلى الله عزّيت امرأة بذي القعدة في صبيةٍ لها ماتت غرقًا , وبالمرأة مابها من الجزع وهول المُصاب , فقلتُ أغبطها -أستغفر الله- وليس لي القول:
ارحم إلهي من مصيبته أعظمُ * من الثكلى على الوليد لها عويلًا
لكنها ليلة من رمضان سرتُ فيها بفناء المنزل الفسيح , ووجدتُ نفسي أدخل المزروع , وأتوسد على جزءٍ من التراب فيه قد أُهمل ... أنظر السماء والبدر , وأتأمل النجم ودقة صنع الله وبديعه , يدور بخاطري قول الحبيبب:نزلت عليّ الليلة آيات ويلٌ لمن سمعها ولم يتفكر فيها , فكان أول ثمرة أجنيها من التأمل: أهذا الجمال , ودقة الصنع , وبهاء الأنجم المتلألئة , والسراج المنير , واللباس ليلًا , والمعاش النهار , واخضرار الأرض رغم اصفرارها من الظمأ , لا شيء سرمديًا , أضف البحار بما فيها , ومما خلق الله مما نعلم وما لانعلم .. أثمّة خطأ في خلق الكون؟ آلله ظالم؟! أأدخل النّار ظُلما؟! ... فكان أن كانت أول نسمة باردة مسّت شغاف القلب سكّنته .. وما أحلى والله رائحة الإيمان.
يا أبا عبد الرحمن .. كتبتُ ماكتبت ليعلم المُعافى بعظم نعمة الله عليه , وليستبشر المُصاب أن لم يكن مُصابه في دينه , فكل مصاب دون الدين هيّن , هذا وقد أغرقتنا بجميلك , وحُسن صنيعك , وخُلقك وأدبك الجمّ ولولا الله وحده لا شريك له ثمّ رؤيا فجر عيد الأضحى كنتُ أفعلُ.
الأخ الفاضل علي الغامدي .. حيّاك الله وبيّاك , وأبلاك ولاابتلاك , جزاك الله خيرًا على الدعاء , أمّا الجنّة ماخلت ساعة أنّ لي دارًا بالآخرة سواها , حتى جلّ المُصاب , وطمّ على قلبي فنسيت البلاء وحكمة الله ورحمته فحكمت على نفسي النّار والكفر والنّفاق , وما علمتُ أنّ لله حكمة , وأنّي والله أبصرت الأشهر الثلاث الأخيرة مالم أبصره سنوات عمري , وانقشع الغطاء عن البصيرة -أحسبُ- , وفهمت لمَ بكى المتقين الصالحين , ومالت يمينًا وشمالًا من الطربِ رؤوس الجاهلين , إذ والله أنّ الله يحول دون المرء وقلبه , والقلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء , وليس بأمانينا ولا بأمانيّ أهل الكتاب الجنّة , من يعمل سوءًا يجزى به , فعضّوا بالنواجذ على سيرة رسول الله وخلفاؤه من بعده , وعمّا قريب الجنّة الموعد .. ولا تكن -والكلام لنفسي قبلك أذكرها- ممن اتكئ على رحمة الله ونسي عقابه , فقد حذّرنا الله نفسه , وبشرنا برحمته , وخوّفنا عذابه وعقابه , وجُلّنا إلا من رحم الله عَلِم يقينًا -من شيطانه لانفسه- أن الرحمة نصيبه لاالعذاب ولا العقاب حتى خرج من الدنيا من لو ملأت ذنوبه الأرض لملأتها , ولو مُزجت بماء البحر لمزجته , أذكر استشهاد شيخنا بنقله قول من انتسب إلى الفقه: أعملُ من الذنوب ما أشاء , لأنّ من قال في يومه مئة مرة: (سبحان الله وبحمده) غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر! هذا قول ابن القيّم في الداءِ والدّواء.
ولكنّك - ياغامدي- نكأت الجُرح ويحك! أتظن سبيل الصالحين هذا إلى الإحسان؟
أيفعل هذا مسلم فضلًا عن مؤمن! .. وهل لإبليس إلى عباد الله غلبة وسلطانًا؟ ومابي مسٌ ولاسحرٌ غير حسد , وتزيدني حرقة أن تقول ليبلغوا أعلى مراتب الجِنان!
ليته كان شبرًا , ليته كان أدناها , ليتني آخر من يخرج من النار .. ليته كان فَناء!
(هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا)
بقول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه نختم: ليتها تمّت.
ـ [سعودالعامري] ــــــــ [27 - Dec-2008, مساء 03:07] ـ
وفقك الله لكل خير نعم هذا الدواء وينقصه جزء ثاني وبينه كاملا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي اخرجه الشيخان من طريق: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُولَ لَهُ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ.
ولتطمينك اخي انت لا تعاقب على هذه الوساوس مالم تعمل او تتكلم به كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي اخرجه مسلم من حديث:
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ