والمعنى: أي واذكر يا محمد! لأمّتك قصّة إذ يرفع ويبني إبراهيم الخليل، وولده إسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، القواعد، والأساس، والجدار المستتر في الأرض التي هي من بعض جدران البيت الموجودة قبله، والمراد برفعهما: البناء عليها، فإنَّها كانت موجودةً من قبل بنائه، غائصةً في الأرض إلى منتهاها، وإنما بنى عليها ورفع البناء فوقها؛ لأنَّها إذا بُنِيَ عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، وتطاولت بعد التقاصر، وبناؤهما أنَّ إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة، ولكنَّه لمّا كان له دخلٌ في البناء عطف عليه، وقيل كانا يبنيان في طرفين، أو على التناوب يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} وقد أظهر عبد الله (يقولان) في قراءته؛ أي: يرفعانها حالة كونهما قائلين {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} الدعاء، وغيره من القرب، والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من البناء؛ أي: حالة كونهما قائلين: ربّنا واقبل منّا ما عملنا لك! وطاعتنا إياك، وعبادتنا لك، وبناءَنا بيتك، وفُرِّق بين القبول والتقبُّل: بأنَّ التَّقبُّل لكونه على بناء التكلُّف، إنّما يطلق حيث يكون العمل ناقصًا لا يستحق أن يقبل إلا على طريق التفضُّل، والكرم، ولفظ القبول لا دلالة فيه على هذا المعنى، فاختيار لفظ التقبُّل اعتراف منهما بالعجز، والانكسار، والقصور في العمل {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤُنا، وتضرُّعنا إليك {الْعَلِيمُ} بكل المعلومات التي من زُمْرَتها نياتنا في جميع أعمالنا، ودلَّ هذا القول، على أنّه لم يقع منهما تَقْصِير بوجه في إتيان المأمور به، بل بذلا في ذلك غاية ما في وسعهما، فإنَّ المقصِّر المتساهل كيف يتجاسر على أن يقول بأطلق لسانٍ، وأرقِّ جنانٍ {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} ؟!