ودلت الآية أيضًا على أنَّ الواجب على كُلِّ مأمور بعبادةٍ وقربةٍ إذا فرغ منها، وأدَّاها كما أمر بها، وبذل في ذلك ما في وسعه أن يتضرَّع إلى الله سبحانه، ويبتهل ليتقبَّل منه، ولا يردَّ عليه، فيضيع سعيه، وأن لا يقطع القول بأنَّ من أدَّى عبادةً وطاعةً تقبل منه لا محالةٍ، إذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنًى، فالقبول والردُّ إليه تعالى، ولا يجب عليه شيء ٌ
128 - {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ} ؛ أي: منقادين لحكمك مخلصين {لَكَ} بالتوحيد والعبادة، لا نعبد إلّا إياك فالمراد بالمسلم: من يجعل نفسه وذاته خالصًا لله تعالى، بأن يجعل التذلُّلَ، والتعظيم الواقع منه لِلِّسانِ، والأركانِ، والجَنَان خالصًا له تعالى، ولا يُعظِّم معه تعالى غيره، ويعتقد بأنَّ ذاتَه، وصفاتِه، وأفعالَه خالصةٌ له تعالى، خلقًا، وملكًا، لا مدخل في شيء ٍ منها لأحدٍ سواه، أو المعنى: واجعلنا مستسلمين لك، منقادين بالرضى بكل ما قدَّرت، وبترك المنازعة في أحكامك، فإنّ الإِسلام إذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد، والرضا بالقضاء.
فإنْ قلت: لا شكَّ أنَّهما كانا مخلصين، ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما؟
قلت: المراد طلب الزيادة في الإخلاص، والإذعان، أو الثبات عليه، فهذا تعليمٌ منهما الناس الدعاء؛ للتثبيت على الإيمان، فإنّهما لمّا سألا ذلك مع أمنهما من زواله عنهما، فكيف غيرهما مع خوفه، وسألا أيضًا الثبات على الانقياد، فأجيبا إلى ذلك حتى أسلم إبراهيم للإلقاء في النار، إسماعيل للأمر بالذبح. {وَ} اجعل {مِنْ ذُرِّيَّتِنَا} ؛ أي: بعض أولادنا {أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} ؛ أي: جماعةً منقادة لأمرك، مخلصةً لك بالتوحيد، والطاعة، والعبادة، خاضعةً لعظمتك؛ وإنَّما خصَّا الذريَّة بالدعاء مع أنَّ الأنسب بحال أصحاب الهمم، لا سيما الأنبياء أن لا يخصُّوا ذرّيَّتهم بالدعاء، لكنهما خصّاهم لوجهين: