أن تقول: أزل ما فيه من الضِّيق، بل المراد: اصنعه ابتداءً واسع الكمّ.
والحكمة في جعل الله سبحانه معبدًا لعباده، وهو هذا البيت؛ لأنَّ الخلق في حاجةٍ إلى التوجّه إلى خالقهم بشكر، والثناء عليه، والتوسّل إليه لاستمداد رحمته، ومعونته، وهم يعجزون عن التوجه إلى موجودٍ غيبيٍّ، لا يتقيَّد بمكان، ولا ينحصر في جهة، فعيَّن لهم مكانًا نسبه إليه رمزًا إلى أنَّ ذاته المقدَّسة تحضره والحضور الحقيقيُّ مَحالٌ عليه، فالمراد: أنَّ رحمته الإلهية تحضره، ومن ثمَّ كان التوجُّه إلى هذا المكان، كالتوجُّه إلى تلك الذات العليَّة لو وجد العبد إلى ذلك سبيلًا، وانظر حكمة تخصيص هذه البقعة من بين بقاع الأرض باتخاذه معبدًا، فإنَّه من الذخائر المدفونة في قلوب خواص عباده.
{لِلطَّائِفِينَ} ؛ أي: للزائرين الدائرين حوله {وَالْعَاكِفِينَ} ؛ أي: المقيمين عنده، والمعتكفين فيه؛ أي: المجاورين الذين عكفوا عنده؛ أي: أقاموا عنده لا يرجعون، ولا يذهبون، ولا يرتحلون منه، وهذا في أهل الحرم، والأول؛ أعني: الطائفين في الغرباء القادمين إلى مكة للزيارة والطواف، وإن كان الطواف لا يختصُّ بهم، إلّا أن له مزيد اختصاص بهم من حيث إن مجاوزة الميقات لا تجوز لهم إلّا بالإحرام {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ؛ أي: المصلِّين إليه من سائر البلدان جمع راكعٍ وساجدٍ؛ لأن القيام، والرُّكوع، والسجود من هيئات المصلِّي، ولتقارب الركوع والسجود ذاتًا وزمانًا، ترك العاطف بين موصوفيهما، والجلوس في المسجد الحرام ناظرًا إلى الكعبة من جملة العبادات الشريفة المرضية، كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"إنّ لله تعالى في كُلِّ يوم مائةً وعشرين رحمةً، تنزل على هذا البيت ستون للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للناظرين".