وعَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «هُوَ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ» فَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا تَأْوِيلُ الْمُصَلَّى هَا هُنَا الْمُدَّعَى، وَجَّهُوا الْمُصَلَّى إِلَى أَنَّهُ مُفَعَّلٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَلَّيْتُ بِمَعْنَى دَعَوْتُ.
وَقَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْحَجُّ كُلُّهُ فَكَانَ مَعْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَاتَّخِذُوا عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةَ وَالْمَشْعَرَ وَالْجِمَارَ وَسَائِرَ أَمَاكِنِ الْحَجِّ الَّتِي كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُومُ بِهَا مَدَاعِيَ تَدْعُونَنِي عِنْدَهَا، وَتَأْتَمُّونَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهَا، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي إِمَامًا يَقْتَدُونَ بِهِ وَبِآثَارِهِ، فَاقْتَدُوا بِهِ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْقَائِلِينَ الْقَوْلَ الْآخَرَ، فَإِنَّهُ: اتَّخِذُوا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى تُصَلُّونَ عِنْدَهُ، عِبَادَةً مِنْكُمْ، وَتَكْرِمَةً مِنِّي لِإِبْرَاهِيمَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَعَهِدْنَا} وَأَمَرْنَا
فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَأَمَرْنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِتَطْهِيرِ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ. وَالتَّطْهِيرِ الَّذِي أَمَرَهُمَا اللَّهُ بِهِ فِي الْبَيْتِ، هُوَ تَطْهِيرُهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فِيهِ وَمِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} وَهَلْ كَانَ أَيَّامَ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ بِنَائِهِ الْبَيْتَ بَيْتٌ يُطَهَّرُ مِنَ الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فِي الْحَرَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَا أُمِرَا بِتَطْهِيرِهِ؟