قِيلَ: لِذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ، قَدْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنِ ابْنِيَا بَيْتِيَ مُطَهَّرًا مِنَ الشِّرْكِ وَالرَّيْبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} أَيْ ابْنِيَا بَيْتِيَ عَلَى طُهْرٍ مِنَ الشِّرْكِ بِي وَالرَّيْبِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَا أُمِرَا بِأَنْ يُطَهِّرَا مَكَانَ الْبَيْتِ قَبْلَ بُنْيَانِهِ وَالْبَيْتَ بَعْدَ بُنْيَانِهِ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ يَجْعَلُونَهُ فِيهِ عَلَى عَهْدِ نُوحٍ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَوْثَانِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً لِمَنْ بَعْدَهُمَا، إِذْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ جَعَلَ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ مِنْ بَعْدِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلطَّائِفِينَ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الطَّائِفِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْغُرَبَاءُ الَّذِينَ يَأْتُونَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مِنْ غُرْبَةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الطَّائِفُونَ هُمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهِ غُرَبَاءَ كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِهِ.
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ مَا قَالَهُ عَطَاءٌ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَ هُوَ الَّذِي يَطُوفُ بِالشَّيْءِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالطَّارِئُ مِنْ غُرْبَةٍ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ طَائِفٍ بِالْبَيْتِ إِنْ لَمْ يَطُفْ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْعَاكِفِينَ}
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَالْعَاكِفِينَ} وَالْمُقِيمِينَ بِهِ، وَالْعَاكِفُ عَلَى الشَّيْءِ: هُوَ الْمُقِيمُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ:
[البحر الطويل]
عُكُوفًا لَدَى أَبْيَاتِهِمْ يَثْمِدُونَهُمْ ... رَمَى اللَّهُ فِي تِلْكَ الْأَكُفِّ الْكَوَانِعِ
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُعْتَكِفِ مُعْتَكِفٌ مِنْ أَجْلِ مُقَامِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَبَسَ فِيهِ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى.