الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}
هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَنَّ الظَّالِمَ لَا يَكُونُ إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ أَهْلُ الْخَيْرِ، وَهُوَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَوَابٌ لَمَّا تُوُهِّمَ فِي مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً مِثْلَهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ إِلَّا بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُصَيِّرِهِ كَذَلِكَ، وَلَا جَاعِلِهِ فِي مَحَلِّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ بِالتَّكْرِمَةِ بِالْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ إِنَّمَا هِيَ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ دُونَ أَعْدَائِهِ وَالْكَافِرِينَ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْعَهْدِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الظَّالِمِينَ أَنْ يَنَالُوهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ الْعَهْدُ هُوَ النُّبُوَّةُ
فَمَعْنَى قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ: لَا يَنَالُ النُّبُوَّةَ أَهْلُ الظُّلْمِ وَالشِّرْكِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْعَهْدِ عَهْدُ الْإِمَامَةِ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ: لَا أَجْعَلُ مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بِأَسْرِهِمْ ظَالِمًا إِمَامًا لِعِبَادِي يُقْتَدَى بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظَالِمٍ أَنْ تُطِيعَهُ فِي ظُلْمِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْعَهْدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْأَمَانُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمْ، قَالَ اللَّهُ: لَا يَنَالُ أَمَانِي أَعْدَائِي، وَأَهْلَ الظُّلْمِ لِعِبَادِي؛ أَيْ لَا أُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِي فِي الْآخِرَةِ.
عَنْ قَتَادَةَ:" {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ذَلِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ ظَالِمٌ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالُوا عَهْدَ اللَّهِ، فَوَارَثُو بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَعَادُوهُمْ وَنَاكَحُوهُمْ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَصَرَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَكَرَامَتَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ"
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْعَهْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: دِينُ اللَّهِ.
وعَنِ الضَّحَّاكِ:"فِي قَوْلِهِ: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قَالَ: لَا يَنَالُ عَهْدِي عَدُوٌّ لِي يَعْصِينِي، وَلَا أُنْحِلُهَا إِلَّا وَلِيًّا يُطِيعُنِي"