قوله تعالى {وإذ قال إبراهيم} قيل: فِي الآية تقديم وتأخير لأن قوله {رب اجعل هذا بلداً آمناً} لا يمكن لا بعد دخول البلد فِي الوجود . فقوله {وإذ يرفع} [البقرة: 127] وإن كان متأخراً فِي التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: فِي ترتيب القصة فوائد منها: أنه أجمل القصة فِي قوله {وإذ ابتلى} إلى {فأتمهن} ثم فسر ، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم ، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماماً أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه فِي الوجود أيضاً ، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمناً لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت . وقد حصل فِي ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضاً كذلك فقوله {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً} مجمل ، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم . وذكر البيت أولاً وقع مجملاً ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم عليه السلام ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين ، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا . {هذا بلداً آمناً} ذا أمن مثل عيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك"ليل نائم"وإنما قيل ههنا بلداً آمناً على التنكير وفي سورة إبراهيم {هذا البلد آمناً} إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل جعل المكان بلداً فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلداً آمناً ، وذاك الدعاء صدر وقد جعل بلداً فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً بلداً ذا أمن ، وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلداً آمناً فيفيد مبالغة زائدة كقولك"هذا اليوم يوم جار"معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن بخلاف قوله {اجعل هذا البلد آمناً} [إبراهيم: 35] ففيه طلب الأمن نفسه قيل: سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف