قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالتَّسْبِيخُ: تَوْسِيعُ الْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَتَنْفِيشُهُ، يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: سَبِّخِي قُطْنَكِ: أَيْ نَفِّشِيهِ وَوَسِّعِيهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَخْطَلِ:
[البحر البسيط]
فَأَرْسَلُوهُنَّ يُذْرِينَ التُّرَابَ كَمَا ... يُذْرِي سَبَائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أَوْتَارِ
وَإِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَعَةً لِقَضَاءِ حَوَائِجِكَ وَقَوْمِكَ.
وَالسَّبْحُ وَالسَّبْخُ قَرِيبَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَاذْكُرْ} يَا مُحَمَّدُ {اسْمَ رَبِّكَ} فَادْعُهُ بِهِ.
{وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}
يَقُولُ: وَانْقَطِعْ إِلَيْهِ انْقِطَاعًا لِحَوَائِجِكَ وَعِبَادَتِكَ دُونَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ؛ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَبَتَّلْتُ هَذَا الْأَمْرَ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِأُمِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ الْبَتُولُ، لِانْقِطَاعِهَا إِلَى اللَّهِ؛ وَيُقَالُ لِلْعَابِدِ الْمُنْقَطِعِ عَنِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ: قَدْ تَبَتَّلَ؛ وَمِنْهُ الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّبَتُّلِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} قَالَ: أَخْلِصْ لَهُ إِخْلَاصًا
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَخْلِصْ إِلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ وَالدُّعَاءَ
عَنْ قَتَادَةَ: يَقُولُ: أَخْلِصْ لَهُ الْعِبَادَةَ وَالدَّعْوَةَ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا} قَالَ: أَيْ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِهِ، قَالَ: تَبَتَّلْ فَحَبَّذَا التَّبَتُّلُ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} قَالَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْجِهَادِ فَانْصَبْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} .
وَقَوْلُهُ: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، إِذْ كَانَ ابْتِدَاءُ آيَةٍ بَعْدَ أُخْرَى تَامَّةٍ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِالْخَفْضِ عَلَى وَجْهِ النَّعْتِ، وَالرَّدِّ عَلَى الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ} .