وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين: إنه التزمل الذي جرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم"زَمِّلُوني زَمِّلُوني"حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1] الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من"صحيح البخاري"وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذٍ ، وعليه فهو حقيقة.
وقيل: هو ما في حديث جابر بن عبد الله قال:"لما اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سَمُّوا هذا الرجل اسماً تصدر الناس عنه (أي صِفوه وصفاً تتفق عليه الناس) فقالوا: كاهن ، وقالوا: مجنون ، وقالوا: ساحر ، فصدر المشركون على وصفه بـ (ساحر) فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحزن وتزمل في ثيابه وتدثر ، فأتاه جبريل فقال: {يا أيها المزمل} {يا أيها المدثر} [المدثر: 1] ."
وسيأتي في سورة المدثر أن سبب نزولها رؤيتُه المَلكَ جالساً على كرسي بين السماء والأرض فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال:"دثروني"، فيتعين أن سبب ندائه بـ {يا أيها المزمل} كان عند قوله:"زَمِّلِوني"، فذلك عندما اغتمّ من وصف المشركين إياه بالجنون وأن ذلك غير سبب ندائه بـ يا أيها المدثر في سورة المدثر.
وقيل: هو تزمُّل للاستعداد للصلاة فنودي يا أيها المزمل قم اللّيل إلاّ قليلاً وهذا مروي عن قتادة.
وقريب منه عن الضحاك وهي أقوال متقاربة.
ومحملها على أن التزمُّل حقيقة ، وقال عكرمة: معناه زُمِّلْتَ هذا الأمر فقم به ، يريد أمر النبوءة فيكون قوله: {الليل إلاّ قليلاً} مع قوله: {إن لك في النهار سبحاً طويلاً} [المزمل: 7] تحريضاً على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلاّ قليلاً من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه.
ومحمل التزمل عنده على المجاز.