فهي المساومة إذن , والالتقاء في منتصف الطريق . كما يفعلون في التجارة . وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير ! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها ; لأن الصغير منها كالكبير . بل ليس في العقيدة صغير وكبير . إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء . لا يطيع فيها صاحبها أحدا , ولا يتخلى عن شيء منها أبدا .
وما كان يمكن أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق , ولا أن يلتقيا في أي طريق . وذلك حال الإسلام مع الجاهلية في كل زمان ومكان . جاهلية الأمس وجاهلية اليوم , وجاهلية الغد كلها سواء . إن الهوة
من الآية 8 إلى الآية 9
فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)
بينها وبين الإسلام لا تعبر , ولا تقام عليها قنطرة , ولا تقبل قسمة ولا صلة . وإنما هو النضال الكامل الذي يستحيل فيه التوفيق !
وقد وردت روايات شتى فيما كان يدهن به المشركون للنبي (صلى الله عليه وسلم) ليدهن لهم ويلين ; ويترك سب آلهتهم وتسفيه عبادتهم , أو يتابعهم في شيء مما هم عليه ليتابعوه في دينه , وهم حافظون ماء وجوههم أمام جماهير العرب ! على عادة المساومين الباحثين عن أنصاف الحلول ! ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان حاسما في موقفه من دينه , لا يدهن فيه ولا يلين . وهو فيما عدا الدين ألين الخلق جانبا وأحسنهم معاملة وأبرهم بعشيرة وأحرصهم على اليسر والتيسير . فأما الدين فهو الدين ! وهو فيه عند توجيه ربه: (فلا تطع المكذبين) !
ولم يساوم (صلى الله عليه وسلم) في دينه وهو في أحرج المواقف العصيبة في مكة . وهو محاصر بدعوته . وأصحابه القلائل يتخطفون ويعذبون ويؤذون في الله أشد الإيذاء وهم صابرون . ولم يسكت عن كلمة واحدة ينبغي أن تقال في وجوه الأقوياء المتجبرين , تأليفا لقلوبهم , أو دفعا لأذاهم . ولم يسكت كذلك عن إيضاح حقيقة تمس العقيدة من قريب أو من بعيد . .
روى ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق قال: