والمعنى: أي قال لهم موسى: ألقوا ما تريدون إلقاءه مما يكون حجة لكم على إبطال ما أدعيه من المعجزات، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، وقد كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة به، وقالوا: بقوة فرعون وجبروته إنا لنحن الغالبون، فلما حميت حرارة الشمس اشتدت حركتها، وصارت كأنها حيات تدب من كل جانب، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاؤوا بسحر عظيم، وجاء في سورة طه: {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) } ، وقد استفرغوا الوسع، وقاموا بما ظنوا أن فيه الكفاية، بل ما فوقها، وأن النصر قد كتب لهم
45 - {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ} بالأمر الإلهي {فَإِذَا هِيَ} ؛ أي: عصاه {تَلْقَفُ} ؛ أي: تبتلع بسرعة. وقرأ حفص: {تَلْقَفُ} بالتخفيف، اهـ."بيضاوي" {مَا يَأْفِكُونَ} ؛ أي: ما يقلبونه؛ أي: وحين ألقى موسى عصاه ابتلعت ما كانوا يقلبون ويغيرون صورته وحاله الأولى من الجمادية بتمويههم وتخييل الحبال والعصي أنها حيات تسعى، وجاء في آية أخرى: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) } .
والمأخوذ عند بعض المحققين: أنها التقفت صور الحيات من حبال السحرة وعصيهم، حتى بدت للناس حبالًا وعصيًا كما هي في نفس الأمر، كما يبطل الخصم بالحق حجة خصمه، فيظهر بطلانها, لا نفس الحبال والعصي كما هو عند الجمهور، وإلا لدخل على السحرة الشبهة في عصا موسى، والتبس عليهم الأمر، فكانوا لم يؤمنوا، وكان الذي جاء به موسى حينئذ من قبيل ما جاءت به السحرة، إلا أنه أقوى منهم سحرًا، ويدل على ما قلنا قوله تعالى: {تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} {تلقف ما صنعوا} ، وما أفكوا الحبال وما صنعوا العصي بسحرهم، وإنما صنعوا وأفكوا في أعين الناظرين صور الحيات، وهي التي تلقفته عصا موسى، ذكره الإِمام الشعراني في"الكبريت الأحمر".