يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ: وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمَيْنِ لِأَمْرِكَ خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِكَ، لَا نُشْرِكُ مَعَكَ فِي الطَّاعَةِ أَحَدًا سِوَاكَ، وَلَا فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَكَ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ الْخُضُوعَ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} فَإِنَّهُمَا خَصَّا بِذَلِكَ بَعْضَ الذُّرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ كَانَ أَعْلَمَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَسْأَلَتِهِ هَذِهِ أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ لِظُلْمِهِ وَفُجُورِهِ، فَخَصَّا بِالدَّعْوَةِ بَعْضَ ذُرِّيَّتِهِمَا.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُمَا عَنَيَا بِذَلِكَ الْعَرَبَ.
وَهَذَا قَوْلٌ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكِتَابِ عَلَى خِلَافِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا دَعُوا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَهْلَ طَاعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ وَالْمُسْتَجِيبِينَ لِأَمْرِهِ، وَقَدْ كَانَ فِي وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ الْعَرَبُ وَغَيْرُ الْعَرَبِ، وَالْمُسْتَجِيبُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالْخَاضِعُ لَهُ بِالطَّاعَةِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ؛ فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: عَنَى إِبْرَاهِيمُ بِدُعَائِهِ ذَلِكَ فَرِيقًا مِنْ وَلَدِهِ بِأَعْيَانِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ إِلَّا التَّحَكُّمَ الَّذِي لَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَحَدٌ.
وَأَمَّا الْأُمَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهَا الْجَمَاعَةَ مِنَ النَّاسِ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ: {وَمَنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ} .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} بِمَعْنَى رُؤْيَةِ الْعَيْنِ، أَيْ أَظْهِرْهَا لَأَعْيُنِنَا حَتَّى نَرَاهَا.
وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يُسَكِّنُ الرَّاءَ مِنْ «أَرِنَا» ، غَيْرَ أَنَّهُ يُشِمُّهَا كَسْرَةً.
وَاخْتَلَفَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَقُرَّاءُ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {مَنَاسِكَنَا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ وَمَعَالِمُهُ