واختلف العلماءُ في وقت (ناشئة الليل) فقال ابن عمر وأَنس بن مالك - رضي الله عنهما: هي ما بين المغرب والعشاءِ تمسكًا بأَن لفظ (نشأَ) يعطي الابتداء، وكان علي بن الحسين - رضي الله عنهما - يصلي بين المغرب والعشاءِ ويقول: هذه ناشئة الليل، وقيل: هي الليل كله، وقيل: هي القيام بالليل بعد النوم، وهذا مروي عن عائشة وابن عباس - رضي الله عنهما - وهذا يتفق مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال:"إِن الله - عز وجل - يمهل حتى يمضي شطر الليل الأَول، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطي؟"فهذا الحديث بيّن الأَوقات التي هي جديرة بالإِحياءِ والإِقامة، وأَيضًا فإِنه يتناسب مع قوله تعالى: (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) لأَن الصلاة بعد نوم فيها الكثير من أَخذ النفس بالشدة والحزم ورياضتها على الأَعمال الشاقة التي تكسب صاحبها ثوابًا عظيمًا وأَجرا جزيلا، فقد ورد في الأَثر:"أَفضل العبادات أَحمزها"أَي أَشقها.
7 - {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) } :
أَي: إِن لك في النَّهار سغة من الوقت تتصرف فيها من مهامك وشواغلك ونومك وراحة بدنك، فاجعل ليلك خالصًا لعبادة ربك، وعليك بمناجاته التي تقتضي فراغ البال وانتفاء الشواغل، أَو: إِن لك تصرفًا في أُمور معاشك وتقلبًا في حوائجك وما يعرض لك من أَمر دنياك، فلا تستطيع أَن تتفرغ للعبادة الخالصة في النهار فعليك بها في الليل، وقيل: إِن فاتك في الليل شيءٌ من العبادات فلك في النهار فراغ تقدر على تداركه فيه، ويؤيد هذا المعنى ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أَنها قالت:"وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا صلى صلاة أحب أَن يداوم عليها، وكان إِذا شغله عن قيام الليل نوم أَو وجع أَو مرض صلى من"
النهار ثنتى عشرة ركعة"هذا من حديث طويل رواه الإِمام أَحمد، وقد أَخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه."
وهذه الآية الكريمة تبين الداعي والدافع الخارجي إِلى قيام الليل وهو اتساع النهار لأَمر الدنيا فضلا على ما في قيام الليل من الدافع الذاتي وهو ما يناله القائم ليلا من رضا الله وثوابه.