قال ابن العربيّ: وأما اليوم وقد مَرِجت عهودُ الناس ، وخفّت أماناتهم ، واستولى الحرام على الحُطام ، فالعزلة خير من الخُلْطة ، والعُزْبة أفضل من التأهُّل ، ولكن معنى الآية: انقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله ، وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة ، ولم يرد التبّتل ، فصار التبتل مأموراً به في القرآن ، منهيّاً عنه في السنة ، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي ، فلا يتناقضان ، وإنما بعث ليبيِّن للناس ما نزل إليهم ؛ فالتبتّل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة ؛ كما قال تعالى: {وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} [البيّنة: 5] والتبتُّل المنهيّ عنه: هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع ، لكن عند فساد الزمأن يكون خيرُ مال المسلم غَنَماً يتبع بها شَعف الجبال ومواقع القَطْر ، يفرّ بدينه من الفتن.
قوله تعالى: {رَّبُّ المشرق والمغرب}
قرأ أهل الحرمين وابن مُحَيْصن ومجاهد وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحفص"رَبُّ"بالرفع على الابتداء والخبر {لاَ إله إِلاَّ هُوَ} .
وقيل: على إضمار"هو".
الباقون"رَبِّ"بالخفض على نعت الربّ تعالى في قوله تعالى: {واذكر اسم رَبِّكَ} "رَبِّ الْمَشْرِقِ"، ومن علم أنه ربّ المشارق والمغارب انقطع بعمله وأمله إليه.
{فاتخذه وَكِيلاً} أي قائماً بأمورك.
وقيل: كفيلاً بما وعدك.
قوله تعالى: {واصبر على مَا يَقُولُونَ} أي من الأذى والسبّ والاستهزاء ، ولا تجزع من قولهم ، ولا تمتنع من دعائهم.
{واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً} أي لا تتعرض لهم ، ولا تشتغل بمكافأتهم ، فإن في ذلك ترك الدعاء إلى الله.
وكان هذا قبل الأمر بالقتال ، ثم أمر بعدُ بقتالهم وقتلهم ، فنَسخت آية القتال ما كان قبلها من الترك ؛ قاله قتادة وغيره.