فذهب أكثرُهُم أو عامَّتُهم إلى دخولِ أمتهِ في هذا الخِطاب؛ بدليل قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل: 20] ، وبدليل قوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] .
وذهبَ مَنْ لا يُعْتَدُّ بقولهِ إلى خُروج أُمَّتِهِ منْ هذا الخِطاب، وهو باطلٌ، لِما ذكرتُه.
الحكم الثالث: أجمعَ أهلُ العلم على أنَّ هذا الحكمَ منسوخٌ في حَقِّ أُمَّتِهِ - صلى الله عليه وسلم - بقوله تعالى: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] .
قال ابنُ عباسٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنهما: - كانَ بينَ أَوَّلِ المُزَّمِّلِ وآخرِها قريبٌ من سنَةٍ.
ثمّ يحتملُ أن يكونَ الناسخُ الذي أُمروا به، وهو ما تيَسَّرَ من القرآنِ أن يكونَ حَتْماً لازِماً.
ويحتملُ أن يكون نَدْباً، ويكون هذا مِمَّا نسخَ الوجوبُ فيهِ بالندب.
فإن كانَ نَدْباً، فقد أجمعتِ الأُمَّةُ على [استحبابِ التهجدِ بالليلِ لكلِّ أحدٍ من الأمَّةِ، وإن كان حتماً - وهو الظاهرُ - فقد أجمعتِ الأُمَّةُ على] أنَّه لا يجبُ على أحدٍ من الأمةِ قيامُ شيءٍ من اللَّيل؛ لما روى طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله - رضيَ الله تعالى عنه - قال: جاءَ أعرابيٌّ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسَ يُسْمَعُ دَوِيُّ صوته ولا نَفْقَهُ ما يقولُ حتَّى دَنا من رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا هو يسألُ عن الإِسلام، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:"خَمْسُ صَلَواتٍ في اليومِ واللَّيلَةِ"، قال: هلْ
على غيرُها؟ قال:"لا، إلَّا أن تَطَوَّعَ"، خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ.
ثم هذا الحكمُ منسوخٌ بغيرهِ كما نُسِخَ بهِ غيرُه، وعلى هذا أكثرُ النَّاسِ؛ بدليل الإجماعِ على أنَّه لا يجبُ أكثرُ من خَمْسِ صلواتٍ، وبدليلِ حديثِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ.