لَمَّا ذكر - جلَّ شانه - أَنَّ للمتقين عند ربهم جنات نعيم بيَّن متى يكون ويقع ذلك فقال: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ... الخ) أَي: يوم يكشف عن ساقٍ كان كذا وكذا فأُضمر للتهويل البليغ وأَنَّ ثمَّ من الحوادث والأَخطار ما لا يوصف لعظمه، والمراد بذلك اليوم عند الجمهور: يوم القيامة، والساق: ما فوق القدم، وكشفها: مَثَل في شدة الأَمر وصعوبة الخطب.
وقيل: ساقُ الشيء: أَصْلُه الذي به قوامه كساق الشجرة، والمراد: يوم يُكْشف عن أَصل الأَمر فتظهر حقائق الأَشياءِ وأُصولها بحيث تصير عيانًا، وإِلى هذا يشير ما أَخرجه البيهقي عن ابن عباس قال: حين يكشف الأَمر وتبدو الأَعمال.
وذهب بعضهم إِلى أَن المراد بالسَّاق ساقه - سبحانه وتعالى - وأَن الآية من المتشابه، واستدل على ذلك مما أَخرجه البخاري ومسلم غيرهما عن أَبي سعيد قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يَكِشفُ ربُّنا عن ساقِه فَيسجُدُ له كلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَنْ كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا) .
وأَنكر ذلك سعيد بن جبير فقد سئل عن الآية فغضب غضبًا شديدًا وقال: إِن أَقوامًا يزعمون أَن لله سبحانه يكشف عن ساقه وإِنما يكشف عن الأَمر الشديد، وعليه يحمل ما في الحديث (الآلوسي) .
(وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) أَي: ويدعون إِلى السجود لا تعبدًا وتكليفًا ولكن توبيخًا وتعنيفًا على تركهم إِياه في الدُّنيا وتَحِسيرا لهم على تفريطهم في ذلك، أَو امتحانًا لإِيمانهم.
(فَلا يَسْتَطِيعُونَ) : لزوال القدرة عليه، وفيه دلالة على أَنهم يقصدونه فلا يستطيعون ولا يتأَتى منهم، والظاهر أَن الداعي هو الله تعالى أَو الملائكة وقيل: هو ما يرونه من سجود المؤمنين.
43 - {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) } :