أَي: وإِنَّ لك لِمُقَاسَاتِك أَلوان الشَّدائد وأَنواع المتاعب، وتحمُّلك أَعباء الرسالة ومشاق الدَّعوة لثوابًا عظيمًا وأَجرًا جسيمًا غير مقطوع مع عظمة، أَو غير ممنون به عليك مِن الناس لأَنَّه عطاؤه تعالى بلا وساطة، أَو من الله لأَنَّك حبيبه، وهو سبحانه وتعالى أَكرم الأَكرمين ومن شِيمة الكرام أَلا يَمُنُّوا بإِنعامهم، لا سيما إِذا كان على أَحبابهم.
4 - {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) } :
أَي: وإِنك لمستمسك بمكارم الصِّفات ومحاسِن الخلال التي طبعك الله عليها وأدَّبك بها، لك خلق لا يُدرك شَأوه أَحد من الخلق، تحتمل من جهتهم ما لا يحتمل أَمثالك من أُولي العزم
وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) أَي: وإِنك لعلى دين عظيم هو الإِسلام، وليس أَحبّ إِلى الله تعالى ولا أَرضى عنده منه، وقال عطية: لَعَلَى أَدب عظيم.
وفي صحيح مسلم سُئلت عائشة - رضي الله عنها - عن خُلُق رسول الله؟ قالت: كان خلقه القرآن ومعنى هذا أَنه تأدب بآدابه وتحلَّى بأَخلاقه وأَحلّ حلاله وحرَّم حرامه، هذا مع ما طبعه الله عليه من الخلق العظيم من الحياءِ والكرم والشجاعة والصفح والحكمة وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أَنس قال:"خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال إِلي أُفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ فعلته لم فعلته؟ ولا قال لشيءٍ لم أفعله ألا أَفعلته، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أَحسن الناس خلقًا"، والأَحاديث في هذا الباب كثيرة، ولأَبي عيسى الترمذي في هذا كتاب الشمائل.
5 -6 - {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) } :
أَي فستعلم يا محمد علمًا يقينيا وسيعلم مخالقوك أَيكم المفتون أَي المجنون لأَنه فُتِن، أَي مُحِنَ بالجنون، وقيل المعنى: فستبصر ويبصرون بأَي الفريقين منكم الفتنة أَي المجنون أَبفريق المؤمنين أَم بفريق الكافرين وفي أَيِّهما يُوجد منْ يستحق هذا الاسم، وهو تعريض بأَبي جهل والوليد بن المغيرة وأَحزابهما وهو كقوله تعالى: {سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ} .