ويبدو أنه كان له رأي غير رأيهم . ولكنه تابعهم عندما خالفوه وهو فريد في رأيه , ولم يصر على الحق الذي رآه فناله الحرمان كما نالهم . ولكنه يذكرهم ما كان من نصحه وتوجيهه:
(قال أوسطهم:ألم أقل لكم:لولا تسبحون) ?!
والآن فقط يسمعون للناصح بعد فوات الأوان:
(قالوا:سبحان ربنا , إنا كنا ظالمين) . .
وكما يتنصل كل شريك من التبعة عندما تسوء العاقبة , ويتوجه باللوم إلى الآخرين . . ها هم أولاء يصنعون:
(فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) !
ثم ها هم أولاء يتركون التلاوم ليعترفوا جميعا بالخطيئة أمام العاقبة الرديئة . عسى أن يغفر الله لهم , ويعوضهم من الجنة الضائعة على مذبح البطر والمنع والكيد والتدبير:
(قالوا:يا ويلنا ! إنا كنا طاغين . عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون) . .
وقبل أن يسدل السياق الستار على المشهد الأخير نسمع التعقيب:
(كذلك العذاب . ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) . .
وكذلك الابتلاء بالنعمة . فليعلم المشركون أهل مكة . (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) ولينظروا ماذا وراء الابتلاء . . ثم ليحذروا ما هو أكبر من ابتلاء الدنيا وعذاب الدنيا:
(ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) !
الدرس السابع:34 فوز المتقين بالجنة
وكذلك يسوق إلى قريش هذه التجربة من واقع البيئة , ومما هو متداول بينهم من القصص , فيربط بين سنته في الغابرين وسنته في الحاضرين ; ويلمس قلوبهم بأقرب الأساليب إلى واقع حياتهم . وفي الوقت ذاته يشعر المؤمنين بأن ما يرونه على المشركين - من كبراء قريش - من آثار النعمة والثروة إنما هو ابتلاء من الله , له عواقبه , وله نتائجه . وسنته أن يبتلي بالنعمة كما يبتلي بالبأساء سواء . فأما المتبطرون المانعون للخير المخدوعون بما هم فيه من نعيم , فذلك كان مثلا لعاقبتهم: (ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) . . وأما المتقون الحذرون فلهم عند ربهم جنات النعيم: