والمعنى: أي أقسم لك يا محمد بهذا الجبل العظيم الشأن، الذي كلمت فوقه موسى، وأنزلت عليه التوراة التي كتبت بنظام بديع مرتب الحروف في رق منشور، سهل على كل أحد أن يطلع على ما فيها من حكم وأحكام وآداب وأخلاق، وبالكعبة التي يعمرها عشرات الآلاف الذين يهرعون لها كل عام من أرجاء المعمورة، وينسلون إليها من كل حدب كما يعمرها المجاورون لا تبركًا بالعبادة فيها، وطلبًا لقبولها عند ربهم، والسقف المرفوع، أي: بالعالم العلوي، وما حوى من شموس، وأقمار، وكواكب ثاتبة، وسيارت، وما فيه من عرشه، وكرسيه، وملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وبالبحر المحبوس من أن يفيض ماؤه فيغرق جميع ما على الأرض، ولا يبقى ولا يذر من حيوان ونبات، فيفسد نظام العالم، وتعدم الحكمة الذي لأجلها خلق. وقد يكون المعنى:
وبالبحر الموقد في باطن الأرض بمنزلة التنور المحمي.
ثم ذكر ما أقسم عليه، فقال: من عذاب ربك يا محمد المحيط بالكافرين المكذبين بالرسل لواقع يوم القيامة، لا يدفعه عنهم دافع، ولا يجدون من دونه مهربًا جزاء ما دسوا به أنفسهم من الشرك والآثام، ودسوا به أرواحهم أو التكذيب بالرسل.
9 - {يَوْمَ تَمُوُر} وتضطرب وتتحرك {السَّمَاءُ مَوْرًا} ؛ أي: اضطرابًا. وهو ظرف لواقع، مبين لكيفية الوقوع مُنَبِّئ عن كمال هوله وفظاعته، لا لدافع؛ لأنّه يوهم أنّ أحدًا يدفع عذابه في غير ذلك اليوم.
والغرض: أنّ عذاب الله لا يدفع في كل وقت. والمور: الاضطراب والتردد في المجيء والذهاب، والجريان السريع؛ أي: تضطرب، وتجيء، وتذهب. قيل: تدور السماء كما تدور الرحى، وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة. وقيل: يختلج أجزاؤها بعضها في بعض، ويموج أهلها بعضهم في بعض، ويختلطون، وهم الملائكة. وذلك من الخوف.
والمعنى: أي ليس للعذاب دافع في ذلك اليوم الذي ترتج فيه السماء. وهي في أماكنها، وتتحققون أنه لا مانع من عذاب الله، ولا مهرب منه.