وفرع على هذا التنبيه تنبيه آخر على ضلالهم في الدنيا بقوله: {أفسحر هذا} إذ كانوا حين يسمعون الإِنذار يوم البعث والجزاء يقولون: هذا سحر ، وإذا عرض عليهم القرآن قالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ، فللمناسبة بين ما في صلة الموصول من معنى التوقيف على خطئهم وبين التهكّم عليهم بما كانوا يقولونه دخلت فاء التفريع وهو من جملة ما يقال لهم المحكي بالقول المقدر.
و {أم} منقطعة ، والاستفهام الذي تقتضيه {أم} بعدها مستعمل في التوبيخ والتهكم.
والتقدير: بل أأنتم لا تبصرون.
ومعنى {لا تبصرون} : لا تبصرون المرئيات كما هي في الواقع فلعلكم تزعمون أنكم لا ترون ناراً كما كنتم في الدنيا تقولون: {بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5] أي فلا نراك ، وتقولون {إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] .
وجيء بالمسند إليه مخبراً عنه بخبر فعلي منفي لإِفادة تقوّي الحكم ، فلذلك لم يقل: أم لا تبصرون ، لأنه لا يفيد تقوياً ، ولا: أم لا تبصرون أنتم ، لأن مجيء الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل يفيد تقرير المسند إليه المحكوم عليه بخلاف تقديم المسند إليه فإنه يفيد تأكيد الحكم وتقويته وهو أشد توكيداً ، وكل ذلك في طريقة التهكم.
وجملة {اصلوها} مستأنفة هي بمنزلة النتيجة المترقبة من التوبيخ والتغليظ السابقين ، أي ادخلوها فاصطلوا بنارها يقال: صلي النار يصلاها ، إذا قاسى حرها.
والأمر في {اصلوها} إمّا مكنًّى به عن الدخول لأن الدخول لها يستلزم الاحتراق بنارها ، وإما مستعمل مجازاً في التنكيل.
وفرع على {اصلوها} أمر للتسوية بين صبرهم على حرّها وبين عدم الصبر وهو الجزع لأن كليهما لا يخففان عنهم شيئاً من العذاب ، ألا ترى أنهم يقولون: {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيض} [إبراهيم: 21] لأن جُرمَهم عظيم لا مطمع في تخفيف جزائه.