ثم شاء الرؤوف الرحيم بعد هذا كله .. أن لا يدعهم لهذا العقل وحده .. فوضع لهذا العقل ميزانًا ثابتًا في شرائعه التي جاءت بها رسله .. يثوب إليه العقل كلما غم عليه الأمر.
وهو ميزان ثابت لا تعصف به الأهواء .. ولم يجعل سبحانه الرسل جبارين يلوون أعناق الناس إلى الإيمان .. ولكن جعلهم مبلغين مبشرين ومنذرين، ليس عليهم إلا البلاغ .. يأمرون بعبادة الله وحده .. وينهون عن عبادة ما سواه .. من وثنية وهوى، وشهوة وسلطان: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) } [النحل: 36] .
ففريق أطاع الرسل، واستجاب للإيمان والهدى، وفريق عصى الرسل، وشرد في طريق الضلال: {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36] .
وهذا الفريق .. وذلك الفريق .. كلاهما لم يخرج عن مشيئة الله .. وكلاهما لم يقسره الله قسرًا على هدى أو ضلال .. وإنما سلك طريقه بما وهبه الله من حرية في الاختيار .. بعدما زوده الله بمعالم الطريق في نفسه وفي الآفاق .. وبعدما أرسل إليه رسله .. وأنزل عليه كتبه.
والمؤمن يرى رحمة ربه وعدله في التكاليف التي يفرضها الله عليه في خلافته للأرض، وفي ابتلائه في أثناء الخلافة، وفي جزائه على عمله في نهاية المطاف.
ويطمئن إلى رحمة الله وعدله في هذا كله، فلا يتبرم بتكاليفه ولا يضيق بها صدرًا، لأنه يؤمن أن الذي فرضها عليه أعلم بحقيقة طاقته، ولو لم تكن في طاقته ما فرضها عليه.
وذلك يسكب في قلبه الطمأنينة والراحة والأنس، ويستنهض همة المؤمن وعزيمته للنهوض بتكاليفه، وهو يحس أنها داخلة في طوقه كما أخبر بذلك ربه بقوله سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .
وكل إنسان سيرجع إلى ربه بصحيفته الخاصة، وما قيد فيها له أو عليه، فلا يحيل على أحد، ولا ينتظر عون أحد.