فكأن السلامة تُوجد أولاً ، ونحن الذين نُفسِد هذه السلامة .
ومن ذلك قوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض قالوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 1112] .
لذلك لو تأمّل الناس فيما يُتعبهم في الحياة لوجدوا أنه ثمرة إفسادهم في الكون المنظم الذي خلقه الله على مقتضى حكمته تعالى ، بدليل أن كل حركة في الكون لا يتدخل فيها الإنسان تراها مُستقيمة منتظمة لا تتخلف ، فإنْ تدخَّل الإنسان وُجِد الفساد ووُجِد الظلم للغير ، حتى للنبات وللجماد وللحيوان ، وقد نهانا الشارع الحكيم عن هذا كله .
هذا إنْ تدخّل الإنسان في الكون على غير مقتضى منهج ربه ، فإنْ تدخَّل على هَدْى من منهج الله استقامتْ الأمور وتحققتْ السلامة .
ألا ترى قوله تعالى في سورة الرحمن:
{الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ * والنجم والشجر يَسْجُدَانِ * والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان} [الرحمن: 57] .
لذلك تجد كل شيء في الكون موزوناً بقدر وبحكمة: الشمس والقمر والنجوم والهواء والماء . . الخ وكل عناصر الكون هذه تسير مستقيمة في منظومة الكون المتكاملة ، لماذا؟ لأنه لا دَخْلَ للإنسان فيها .
فمعنى القلب السليم: القلب الذي لا يعمُر إلا بما أراد الله أنْ يعمُرَ به ، وقد ورد في الحديث القدسي:"ما وسعتني أرضي ولا سمائي ، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن".
إذن: لا تزحم قلبك بما يَشْغَله من أمور الدنيا ، واجعله خالياً لله مُنْشغلاً به ، فهذه هي سلامة القلب ؛ لأن القلب مفطور على هذا ، مطبوع عليه . . ساعة خلقه الله خلقه صافياً سليماً من المشاغل ؛ لذلك يقول سبحانه: {والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة} [النحل: 78] لماذا؟ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] .