لم ينْسَ إبراهيم عليه السلام في دعائه أن يدعو لمن رباه ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو الخالق ، إنما جعل الوالدين هما السبب المباشر في الخَلْق والإيجاد ؛ لذلك جعلهما أصحاب الفضل والأحق بالطاعة بعده تعالى ، لكن قد ينجب الوالدان ويهملان ولدهما فيربيه غيرهما ؛ لذلك يأخذ المنزلة الثالثة ، فعندنا ربوبية خَلقَت من عدم ، وأبوة جاءت بأسباب الإيجاد ، وأبوة أخرى ربّت واعتنتْ .
وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: {وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 24] فحيثية الدعاء بالرحمة هنا ، لا لأنهما أبوان وهما سبب الإيجاد ، إنما لأنهما ربَّياني صغيراً ، إذن: لو ربّاني غير والديّ لأخذوا هذه المنزلة واستحقوا مني هذا الدعاء .
لكن لم يُستجَبْ لإبراهيم عليه السلام في هذه ، لأنه سأل الله لأبيه قبل أن يعرف أنه عدو لله ، يقول تعالى: {وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ}
بأيِّ شيء يكون الخزي في الآخرة؟ الخزي يكون حين يعاتبك ربك يوم القيامة على رؤوس الأشهاد على ما فَرَط منك من تقصير ؛ لذلك الحساب اليسير ما كان بين العبد وربه ، وقد أُجيب إبراهيم عليه السلام في هذه الدعوة بقوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين} [البقرة: 130] .
قوله: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} [الشعراء: 88] فأتى بالمسألة التي تشغل الناس جميعاً ، فكل إنسان يريد أن يكون غنياً صاحب مال وأولاد وعِزْوة ، ومَنْ حُرِم واحدة منهما حَزِن وألم أشدّ الألم .
والحق تبارك وتعالى يقول: {المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا} [الكهف: 46] .